أحمد عبد الملك

في الوقت الذي تداعت فيه الدول العربية، عبر وزراء الخارجية العرب، في القاهرة الأسبوع الماضي من أجل دعم قرار التوجه إلى الأمم المتحدة للاعتراف بدولة فلسطين المقرر له يوم غد 23 سبتمبر الجاري، على أساس حدود الرابع من يونيو 1967، وعاصمتها القدس الشريف، استناداً إلى القرار الدولي، وتكليف المجموعة العربية في نيويورك بإعداد خطوات التحرك المطلوب واتخاذ الإجراءات القانونية لذلك، فإن الشرخ الفلسطيني كان واضحاً في بيان حركة laquo;حماسraquo;، حيث دعت اللجنتان السياسية والقانونية في المجلس التشريعي الرئيس الفلسطيني عباس إلى quot;التراجع عن هذه الخطوات الانفرادية الضارة بالقضية الفلسطينية، وضرورة توحيد الجهود الوطنية حول المصالحة، وخيار مقاومة الاحتلالquot;. بل إن بيان laquo;حماسraquo; طالب quot;بسحب المبادرة العربية وإطلاق يد الشعوب في مقاطعة ومقاومة المحتل الصهيوني لتحرير الأرض والمقدساتquot;.

ووردت في حيثيات البيان بعض التخوفات من أن مخاطر عدة تكتنف الخطوة العربية مثل حق العودة، ووجود منظمة التحرير وفلسطينيي 1948، إضافة إلى الاعتراف بالكيان الصهيوني.

والسؤال الذي يطرح نفسه هنا: هل كل الفلسطينيين مقتنعون ومتفقون على قيادة عباس؟ وهل إذا اتخذ قراره بالذهاب إلى الأمم المتحدة -كما هو مقرر يوم 23 غد من سبتمبر الحالي- على رغم تصريحات فلسطينية بأن الجانب الفلسطيني قد جهز نفسه تماماً لمشروع الاعتراف الأممي بالدولة الفلسطينية، فهل ستقبل بقية الأطراف الفلسطينية، التي تؤمن بمقاومة الاحتلال وليست مقتنعة إطلاقاً بوجود دولة فلسطين إلى جانب المغتصبين الصهاينة، بمحددات ذاك الاعتراف؟ القصد هنا، بعبارة أخرى، هل سيقبل كل الفلسطينيين بميثاق الأمم المتحدة ونصوصه التي ستتعارض حتماً مع بعض المفاهيم quot;الثوريةquot; والرؤى الفلسطينية التي تؤمن بمقاومة المحتل، ولا ترى في السلام طريقاً لتحرير فلسطين؟

هنالك شرخ في الموقف الفلسطيني، وهذا حتماً سيضعف حجة الوفد العربي أو موقف اللجنة الرباعية، ويوفر فرصة ثمينة للأطراف المعارضة للاعتراف الدولي بالدولة الفلسطينية. وما زالت بعض الأطراف الفلسطينية تعارض نهج السلطة الفلسطينية، وترى أن الفلسطينيين بحاجة إلى استراتيجية جديدة تختلف عن الشكل النمطي للمفاوضات التي لم تؤد إلى نتائج يقبلها كل الفلسطينيين.

قد يساهم الموقف الأوروبي في دعم صوت العرب لانتزاع اعتراف من الأمم المتحدة بدولة فلسطين، ذلك أن الموقف الأميركي معروف بمعارضته لهذا الاعتراف.

وهنالك أبجديات جديدة لابد أن تترافق مع طلب الاعتراف الدولي، ومع جهود الجامعة العربية في دعم الموقف الفلسطيني؟ فنحن نسمع كلمات مثل: النضال حتى العودة، وتحديات الاحتلال، وتعزيز الصمود، وكل هذه المفردات يعتبرها الجانب الإسرائيلي عدائية ويحاول إقناع الأطراف الدولية بأن الفلسطينيين غير راغبين في السلام، وهم يمدون يداً للسلام وفي اليد الأخرى السلاح! هذا في الوقت الذي تمارس فيه قوات الاحتلال أعنف السياسات القمعية ضد الفلسطينيين، ولكن العالم لا يسمع بها، ولعل كثيراً من الدول الصديقة لإسرائيل تبارك تلك الممارسات وتعتبرها quot;حقاًquot; للدفاع عن النفس؟

كما أن تصور الرئيس الفلسطيني بسهولة ويُسر المفاوضات المرتقبة مع الجانب الإسرائيلي، حتى بعد نيل الاعتراف الدولي، يظل محل شك، لأن التجارب السابقة مع العدو الإسرائيلي كشفت العديد من الصور التي ما كان العرب يتصورونها. كما أن عباس أعلن بكل وضوح أن قرار التوجه إلى الأمم المتحدة لطلب الاعتراف الدولي ليس هدفه عزل إسرائيل أو رفع الشرعية عنها، بل الهدف منه رفع الشرعية عن الاحتلال.

إننا نعتقد أن وحدة الصف الفلسطيني، في هذه المرحلة، أهم من كل المظاهر الاحتفالية بالكرسي الأزرق الذي يخطط له أن يجوب العالم. ذلك أن عدم التفاهم على مشروع جديد للمستقبل، يشمل كافة الفصائل والاتجاهات، سيجعل الاعتراف الدولي، إن حصل، مجرد واجهة إعلانية لن يكون لها التأثير المأمول على الفلسطينيين.

إن quot;ثقافة السلامquot; لم يتفق عليها كل الفلسطينيين بعد! وهذا ما يشكل مأزقاً كبيراً. ليس في طريق المفاوضات المرتقبة بعد العودة من الأمم المتحدة، بل على مصداقية وشرعية السلطة الفلسطينية ومشاريعها المستقبلية. ولعل أهمها: موقفها في المفاوضات مع الأطراف الأخرى.

quot;ثقافة السلامquot; يجب أن تؤسس على استحقاقات جديدة، لربما تكون مؤلمة للبعض، ولكن دول العالم تسعى نحو السلام ورفض العنف وإرساء دعائم الديمقراطية وحقوق الإنسان. وهذا لا يمكن أن يتحقق في ظل وجود تأزم وكراهية بين دولتين جارتين، بل ووجود نيات لسحق هذا الطرف لذاك.

نحن نعتقد أن المخرج الوحيد للجانب العربي في مواجهة تحديات المرحلة المقبلة هو ترتيب البيت الفلسطيني، ولا حل أو مخرج غير هذا يؤهل لنجاح مفاوضات تحقيق المطالب المشروعة للشعب الفلسطيني. ولعل أهمها حق تقرير المصير وإقامة الدولة وحق العودة وعودة الأمور إلى ما كانت عليه قبل الرابع من يونيو 1967.

وبدون هذا الترتيب فإن الجهود ستتشتت والعنف والعنف المضاد سيستمران، والتطرف والإرهاب سيقولان كلمتهما في العلاقات المستقبلية بين الفلسطينيين والدولة العبرية.