عبد الحميد الأنصاري

مرت الذكرى السنوية الحادية عشرة لهجمات 11 سبتمبر على برجي التجارة العالمي بنيويورك، والتي أسقطت الآلاف من المدنيين الأبرياء بين قتيل وجريح، شاء لهم حظهم العاثر أن يكونوا في البرجين ساعة اصطدام طائرتين مخطوفتين بهما، نفَّذها فتية زعموا أن عملهم هذا جهاد في سبيل الله تعالى، وقد كذبوا وأساءوا إلى الإسلام والمسلمين إساءات عظيمة لا يزال المسلمون حتى يومنا هذا بعد 11 عاماً على تلك الهجمات الكارثية، يدفعون ثمنها. لقد هزَّت تلك الكارثة الكبرى أميركا كما هزَّت العالم أجمع، وتغيَّر وجه التاريخ في المنطقتين العربية والإسلامية، بعد أن قررت أميركا الانتقام والثأر من المنفذين الذين تجرأوا على غزو أميركا وضربها في رموز شموخها بهدف إسقاط هيبتها والنيل من كرامتها.

لكن أميركا لم تكتف برد الصاع صاعين وملاحقة المتورطين، بل عمدت إلى محاولة تغيير البيئة السياسية والثقافية والاجتماعية التي أنتجت هؤلاء الانتحاريين عبر الضغط على الدول العربية والإسلامية لتغيير مناهج التعليم وبخاصة المناهج الدينية، وضبط المنابر الدينية وعمل الجمعيات الخيرية، وتغيير الأوضاع السياسية في المنطقة وإزالة نظام صدام حسين بعد إزالة نظام quot;طالبانquot; وملاحقة quot;القاعدةquot; وزعيمها إلى أن تمكنت من اصطياده وتصفيته.

أحداث جسيمة مرت على المنطقة العربية خلال عقد من الزمان، تغيّرت فيه نظم سياسية وأوضاع اجتماعية، واصطف العالم كله خلف أميركا فيما سمي بالحرب على الإرهاب وتجفيف منابعه وملاحقة خلاياه وتجريم تمويله وقطع موارده. ما حصل في عقد لم يحصل مثله في قرن وما كان يمكن حصوله لولا شيطان quot;القاعدةquot; المهندس الباكستاني خالد شيخ محمد، الذي زيَّن لزعيمها غزو أميركا وضربها بطائرات تجارية، هذه الفكرة الجهنمية لم تخطر على بال إنسان قبل خالد شيخ محمد، وهو مهندس مولود بالكويت عام 1964 لكنه درس في أميركا وتخرج من جامعة quot;نورث كاروليناquot; عام 1988، ونفذ العديد من العمليات الإرهابية التي اعترف بها، وهو العقل المفكر والمخطط لاعتداءات سبتمبر إلى أن تم اعتقاله في مارس 2003 في روالبندي بباكستان، وهو الآن يحاكم أمام القضاء الأميركي، وعندما سئل عن شعوره لسقوط 3000 آلاف قتيل إثر تدمير برجي الشموخ الأميركي، أجاب: لست سعيداً بمقتلهم، لكنه برر عمله بأن أي حرب في العالم لها ضحايا!

اعترف خالد الشيخ محمد بأنه المسؤول عن هجمات سبتمبر من الألف إلى الياء، وأنه وراء سلسلة من العمليات الإرهابية الأخرى بلغ عددها 30 عملاً إرهابياً، وأنه بايع بن لادن على الجهاد بالنفس والمال والهجرة، وأنه تولى تدريب خاطفي الطائرات يوم 11 سبتمبر، وحتى يرد على المشككين -دائماً- في صحة اعترافاته من جماعة quot;لن يفعلها مسلمquot;، أكد قائلاً: quot;فصلت بيميني المباركة رأس الأميركي اليهودي دانييل بيرل (الصحفي الأميركي)، ولأولئك الذين يريدون التأكد، هناك صور لي على الإنترنت وأنا أحمل رأسهquot;، كما اعترف زعيم quot;القاعدةquot; قبل مقتله مراراً وتكراراً، بالصوت والصورة، بل وافتخر بهجمات سبتمبر إلى درجة التباهي بها وباعتبارها quot;فتحاً عظيماًquot; على أيدي quot;كوكبة من كواكب الإسلامquot;، وquot;طليعة من طلائعهquot;.

ومن ناحية أخرى أكدت الشواهد والتحقيقات المستفيضة وأبرزها quot;تحقيق اللجنة الوطنية الأميركيةquot;، مسؤولية quot;القاعدةquot;، وقد توصلت اللجنة عبر تقريرها المؤلف من 575 صفة واستغرق 19 شهراً، وجمع أكثر من ألف شهادة ومعلومة موثقة، إلى رسم تصور كامل ودقيق لمراحل التخطيط للاعتداءات وعدد المنفذين وأسمائهم وجنسياتهم.

لكن مع وضوح الأدلة وكثرة الاعترافات وظهور البيانات فإن القوم عندنا أنكروا وكابروا ورفضوا تصديق كل ذلك واتهموا quot;الموسادquot; والمخابرات الأميركية بتدبير هذه المؤامرة لتسويغ احتلالهم ديار المسلمين، وقالوا بالفم المليان وعبر منابر المساجد والفضائيات: الحرب على الإرهاب شعار يراد به quot;الحرب على الإسلامquot;، وقام رمز شهير له أتباع وأنصار ونفوذ كبير، هو أحد أبرز رموز الإسلام السياسي في المنطقة، فدافع عن quot;القاعدةquot; وزعيمها عبر المنبر الجامع في خطبة عصماء، وقال إن الشيخ أسامة بن لادن ليس عنده من الوسائل ما يعينه على تنفيذ مثل هذا العمل الكبير، واتهم أميركا بتدبير الهجمات مؤكداً أن quot;أميركا تعلم علم اليقين ذلك، لكنها تحشد للقضاء على المسلمين، بدافع صليبي حاقدquot;. لكن ترى من أين له هذا اليقين؟ وهل أميركا بحاجة إلى ذرائع لضرب quot;القاعدةquot; واحتلال أفغانستان والعراق؟ وفي المقابل اتهم كاهن الناصرية الأكبر اليوغسلاف الصرب بأنهم وراء هذا العمل انتقاماً من هجوم أميركا على بلادهم للدفاع عن المسلمين من المذبحة الجماعية في البوسنة والهرسك.

والغريب أنه لا مرور 11 سنة على الحادثة الإرهابية ولا كثرة البراهين والأدلة، قد غيرت من قناعات هؤلاء الذين لا يزالون يرددون بأن هجمات 11 سبتمبر من فعلة quot;الموسادquot; أو quot;الاستخبارات الأميركيةquot; وأن quot;القاعدةquot; بريئة منها، وأن هناك مؤامرة كبرى أعدتها وخططت لها أميركا بهدف ضرب الإسلام واحتلال ديار المسلمين.

ليستمر هؤلاء في قناعاتهم، فلا إكراه في الرأي، لكن المفارقات التي أتت بها موجات quot;الربيع العربيquot; وصعَّدت تيارات الإسلام السياسي إلى السلطة والحكم، توضح اليوم أن هؤلاء الذين سبق وأن اتهموا أميركا بالتآمر على الإسلام ومعظمهم من رموز الإسلام السياسي ومشايخه وناشطيه ودعاته، هم اليوم وبعد أن تسلموا مقاليد الأمور في دول quot;الربيع العربيquot;، أصبحوا أخلص حلفاء أميركا في المنطقة! الآن: ما سر هذا التحول؟ وما الخيط الرفيع بينه وبين الأحداث السابقة؟

في تصوري أنه لا تفسير جامع أو مشترك إلا quot;ثقافة الكراهيةquot;، ليست كراهية أميركا بل كراهية الأنظمة العربية القائمة وبخاصة في بلاد quot;الربيع العربيquot;؛ quot;القاعدةquot; عندما ضربت أميركا لأنها الداعمة الأساسية للنظام العربي، وتيار الإسلام السياسي عندما دافع عن أعمال quot;القاعدةquot; وبررها متهماً أميركا نكايةً بالنظام العربي وليس اقتناعاً ببراءة quot;القاعدةquot;، فهم يدركون تماماً أنها فعلة quot;القاعدةquot; وليست فعلة أميركا لأنه لا يعقل أن تضرب أميركا نفسها بنفسها. واليوم عندما يتحالفون معها فلأن مصلحتهم في البقاء في الحكم تتطلب ذلك التحالف. فلا عداوة دائمة ولا صداقة دائمة ولكن مصالح دائمة.