تمتنع حكومة حزب العدالة والتنمية، التي تمسك بزمام السلطة منذ 12 سنة، عن قرن النمو الاقتصادي بإصلاح سياسي موازٍ، مولدةً من خلال مناورات الإلهاء والمراوغة التي تمارسها حالة من الحيرة التكتيكية-الاستراتيجية.

Yavuz Baydar


رغم التغييرات المذهلة الواسعة النطاق التي مرّت بها تركيا في السنوات الأخيرة، عادت سحب القلق والخوف لتتجمع فوق هذا البلد.
لا دخل لهذه الاضطرابات بالاقتصاد، ومع أن للطاقة السلبية المتأتية من سورية تأثيراً جزئياً، ينبع التوتر في المشاعر العامة في المقام الأول من الروابط التي تزداد وضوحاً بين السياسة والدين، وتنامي التدخل في نمط الحياة، وتجاهل الكثير من مطالب المجموعات الاجتماعية المختلفة.

يتركز كل الانتباه على التأثير الكبير الذي سيكون لأكراد تركيا في سياسات البلد عموماً.
ولكن لنلقِ أولاً بعض الضوء على الاضطرابات الاجتماعية، حيث يواصل الاقتصاد التركي نموه، ولا يزال هذا البلد في نظر حلفائه عنصراً بالغ الأهمية في الاستقرار الإقليمي. غير أن السياسات المحلية في تركيا دخلت حالة من الغموض، فيما تمتنع حكومة حزب العدالة والتنمية، التي تمسك بزمام السلطة منذ 12 سنة، عن قرن النمو الاقتصادي بإصلاح سياسي موازٍ، مولدةً من خلال مناورات الإلهاء والمراوغة التي تمارسها حالة من الحيرة التكتيكية-الاستراتيجية.
لا شك أن هذا يعود في جزء كبير منه إلى عجز المعارضة عن تقديم رؤية بديلة. رغم ذلك، يُفترض أن تتمكن حكومة حزب واحد قوية من اتخاذ خطوات حازمة واسعة النطاق.
من المؤكد أن تركيا ستتمكن في نهاية المطاف من الخروج من حالة الغموض هذه. ولكن ما السبيل إلى ذلك؟
يتركز الاضطراب الاجتماعي في مجالات رئيسة ثلاثة:

أولاً، أدت عيوب laquo;الدبلوماسية العامةraquo; وغياب الشفافية في عملية السلام الكردية، التي بدأت قبل خمسة أشهر، إلى الحيرة والغضب، خصوصاً بين الأتراك. صحيح أن هذه المشاعر دفعت بمجموعات صغيرة إلى ممارسة أعمال العنف في الشارع، إلا أن الأهم من ذلك أن laquo;الأغلبية الصامتةraquo; تشعر أنها لا تحصل على المعلومات المناسبة عن هذه العملية. أدرك رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان هذا الواقع. وعندما أثارت عمليات القصف في بلدة الريحانية الحدودية المخاوف بشأن إشعال صراع سني-علوي، ضرب أردوغان عصفورين بحجر واحد. ولكي يلهي العامة ويرضي ناخبي حزب العدالة والتنمية السنّة المحافظين، مرر حزبه قانوناً يحد من بيع الكحول، حتى إن أردوغان ذهب إلى حد القول laquo;لا مجال للنقاش في وصايا الدينraquo;.
باستثناء الإحصاءات بشأن السائقين السكارى وحجة laquo;عدم التسامحraquo; مطلقاً في انتهاكات قوانين السير، بدت كل الحجج الأخرى التي تبرر القانون (الصحة، والنظام العام، وإدمان الكحول) غير منطقية.
نتيجة لذلك، رأى الناخبون الأتراك المتعقلون في المدن، حتى السنّة منهم، أنهم تحوّلوا إلى هدف في laquo;عملية التدخل في نمط الحياةraquo; هذه. وهكذا شغلت الأجندة مسألةٌ كان يُفترض أن تكون تافهة.

لم تقف القصة عند هذا الحد، فقد أُقيم قبل أيام احتفال كبير لتدشين بدء بناء جسر ثالث فوق جسر البوسفور في إسطنبول، مع أن تأثيره البيئي لم يُناقش كفاية، كذلك أُعطي هذا الجسر الجديد اسم السلطان سليم الأول القاطع (يُدعى بالإنكليزية سليم العابس)، خصم العلويين والشيعة الأعنف في تاريخ السلطنة العثمانية بأكمله. يُعرف هذا السلطان القوي، الذي غزا مصر، بذبحه عشرات آلاف العلويين في الأناضول قبل حربه مع إيران وبعدها.
كان من الممكن تسمية الجسر laquo;الروميraquo; تيمناً بالمفكر الصوفي العظيم الذي نشر تعاليم التسامح العالمية من الأناضول، أو بأي شخصية إسلامية بارزة أخرى لا تؤجج العداء. ومن السهل بالتأكيد إدراك كم مسيء اختيار اسم السلطان سليم للمجتمع العلوي، الذي يشكّل نحو 10% من الشعب وما زال ينتظر اعترافاً رسمياً بهويته الدينية وحقه في ممارسة عبادته.
إذن، من المحتمل ألا يتحوّل الجسر إلى رمز لوحدة القارتين والثقافتين، بل سيصبح مذكّراً أليماً بما حدث في الماضي.
لا يقتصر القلق والخوف على العلويين، فقد قامت مجموعة من مشاريع البناء الضخمة، التي تُخطط الحكومة لتنفيذها قبل الانتخابات المحلية السنة المقبلة (على غرار الجسر)، بتوحيد الناس من مختلف الانتماءات السياسية وفئات العمر ليشكلوا جبهة معارضة جديدة.

ففي شهر مايو وحده، قمعت السلطات بعنف تظاهرات عيد العمال في الأول من مايو، سارعت إلى هدم صالة سينما تاريخية لاستبدالها بمركز تجاري، وأعطت الضوء الأخضر بالقوة لمشاريع بناء مثيرة للجدل في laquo;ميدان تقسيمraquo; من دون مناقشتها علانية بشكل ملائم، أما القشة الأخيرة فكانت قطع أشجار في منتزه مجاور للميدان.
تملك حكومة حزب العدالة والتنمية والإدارات المحلية الوسائل الضرورية لتقوما بما يحلو لهما في إسطنبول، التي تعود إلى قرون مضت، بغض النظر عن تأثيرات ذلك في نسيج المدينة والبيئة. ولكن إن واصلتا استخدامهما القوة ضد المقاومة المسالمة، كما حدث في منتزه جيزي قرب laquo;ميدان تقسيمraquo;، فقد تتحول المعارضة بسرعة إلى بديل حقيقي.
يظهر التناقض واضحاً: تواصل حكومة حزب العدالة والتنمية حديثها عن الإصلاح وتكرر وعودها بنقل تركيا من النظام الدستوري القائم وإرث النظام العسكري إلى نظام ديمقراطي جديد. لكنها تمكنت في بضعة أسابيع من إنشاء جبهتَي معارضة ضدها، المجتمع العلوي وسكان المدن، الذين يشملون أيضاً أناساً متدينين معتدلين.

وإذا تواصلت عملية الانقسام هذه، فلا شك أن laquo;الإجماع المنطقيraquo; الضروري لتبني دستور جديد سيصبح حلماً بعيد المنال.
لا يزال الأكراد القوة المعارضة الأبرز في البلد. صحيح أن انسحاب ثوار حزب العمال الكردستاني يتواصل من دون أي جدل، إلا أن الأكراد، الذين يشكّلون 18% من الشعب، يشعرون بأنهم في حالة من الضياع والغموض لأنهم لم يروا حتى الآن أي عملية إصلاح تُذكَر. وقد بدأت مطالبهم بالحقوق والحريات تلتقي مع مطالب العلويين والمجموعات المدنية المختلفة، لكن الفارق يكمن في القوة السياسية المحوّلة التي تنبع من عملية السلام الكردية.
يرتبط أحد أوجه الاضطراب الاجتماعي وعدم الاستقرار السياسي بالتساؤلات التي تنشأ حول هوية حزب العدالة والتنمية. يشكّل هذا الحزب laquo;ائتلافاً اجتماعياًraquo; نافذاً تتخطى خصائصه أي هوية إسلامية، وقد صنّف نفسه كحزب laquo;ديمقراطي إسلاميraquo; خلال السنوات الخمس الماضية، ولكن خلال الفترة عينها، كثرت الشكوك حول طبيعته laquo;الديمقراطيةraquo; هذه مع تباطؤ الإصلاح، والغموض الذي يلفّ عملية السلام الكردية، والخطاب المتحيّز. وها نحن نشهد اليوم سلوكاً مستبداً ليبرالياً جديداً في عدد من المشاريع الكبرى التي تتعلق بنسيج إسطنبول، نمط الحياة فيها، وبيئتها، ما عزز أفكار مَن يدركون جيداً معنى كلمة laquo;محافظraquo;.