قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

سمر المقرن

انتهت هذه الأيام كل قضايا الأمة العربية والإسلامية، ولم يتبقَ إلا تهنئة المسيحيين بعيد الكريسماس والسنة الجديدة، فها هي الجدالات العقيمة تملأ الصحف والمواقع الإلكترونية، بل وصلت حدة الجدل بين المشايخ وعلى منابر المساجد، دون أي اعتبار إلى مشاعر إخوة لنا في العروبة ينتمون إلى الدين المسيحي، لم نسمع منهم ما يطعن في ديننا ولم يجرحونا في أعيادنا ومناسباتنا الدينية، بينما نحن وجدنا laquo;قضيةraquo; نُشعلها وكأن عالمنا العربي ينقصه التأجيج والعنصرية والتفرقة، ولم يعد لدينا قضايا تُدمي القلب وهي من تستحق جهود هؤلاء المشايخ أكثر من قضايا سطحية تم تناولها بطريقة توحي بأن مصير الأمة يتوقف عليها، بل إن -بعضهم- وصل به التطرف إلى الاعتقاد بأن تهنئة المسيحيين بعيدهم قد تبعث بصاحبها إلى جهنم دون حساب!

إن من ينظر إلى هذا التشدد ويقارنه بالجهة الأخرى، نجد أن بابا الفاتيكان فرنسيس الأول، بعث بتهانيه إلى المسلمين في شهر رمضان، وهو يُمثل أعلى قمة في هرم الدين المسيحي، فهل هم أكثر سماحة منا؟ وهل الدين المسيحي أكثر قبولاً للآخر؟ لا أعتقد أن الدين الإسلامي أقل سماحة، إذ أن فيه مساحة كبيرة من القبول، ولكن التعبير عنه بهذه الطريقة هو من يسيء للدين، ويجعله يظهر لمعتنقي الأديان الأخرى كدين متحجّر لا يقبل الآخر، بل ويتعالى عليه كما في كثير من الصور والمشاهد التي نراها، وبعد هذا نلومهم إن هم حقدوا علينا أو كرهونا، وللأسف نحن من يقدم نماذج سلبية تجعلهم يتخذون منا مواقف سلبية!

إن تحسين صورة الإسلام والمسلمين لا يمكن أن تتم بالكلام الإنشائي، بل هي سلوكيات وممارسة، من خلال إظهار سماحة الدين في سلوكياتنا وتعاطينا مع الآخر، ونبذ الفتاوى التي تدعو إلى التناحر والفرقة، بل وتقلل من عظمة هذا الدين في عيون الآخر وتجعل منا مثارًا للتندر والسخرية، وهذه الفتاوى وما معها من سلوكيات خاطئة هي من أساءت إلى ديننا أكثر من الرسومات التافهة أو الأفلام الحقيرة، بل هي سببًا رئيسيًا جعلت هذه الأفعال تظهر من بعض متطرفي الأديان الأخرى، وهذا ما قاله بعض من قام بعمل هذه الأفلام والرسومات في لقاءات صحافية، حيث نظرتهم لنا وإلى ديننا أتت من خلال هذه السلوكيات الخاطئة التي تُهمش الإسلام، وتُظهره بصورة ناقصة في عيونهم.

جهود مركز الملك عبدالله لحوار الأديان والثقافات في النمسا، ظاهرة للعيان، وهو رسالة سلام إسلامية واضحة، إلا أن تركيز رسالة المركز على العالم الخارجي ليست كافية، فهذه الجهود تحتاج إلى تركيز داخلي مكثف لتعزيز رسالة السلام، ولن يتحقق السلام الخارجي قبل الداخلي، فعملية إعادة تثقيف المجتمع ليست بعملية سهلة، بل هي بحاجة إلى أن تبدأ بإعادة نظر الإنسان المسلم إلى نفسه ودينه، لتعميق النظرة وعدم تسطيحها بالركض وراء دعاة الفرقة وهواة إشعال الفتن.

في السياق ذاته، أود التذكير بما قاله خادم الحرمين الشريفين ضمن كلمته التي ألقاها في اجتماع حوار الأديان على طاولة الأمم المتحدة، قبل سنوات: laquo;إن التركيز عبر التاريخ على نقاط الخلاف بين أتباع الأديان والثقافات قادت إلى التعصب، وقد آن الأوان لأن نتعلم من دروس الماضي القاسية، وأن نجتمع على الأخلاق والمثل العليا التي نؤمن بها جميعاً، وما نختلف عليه سيفصل فيه الرب، سبحانه وتعالى، يوم الحساب، إن كل مأساة يشهدها العالم اليوم ناتجة عن التخلي عن مبدأ عظيم من المبادئ التي نادت بها كل الأديان والثقافات فمشاكل العالم كلها لا تعني سوى تنكر البشر لمبدأ العدالةraquo;.

ومن هنا، أهنئ كافة المسيحيين بعيدهم، وأتمنى في هذا اليوم الذي يوافق أول أيام السنة الجديدة، أن تكون سنة خير وبركة على الجميع، وكل عام وأنتم بخير.