قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

محمد خلفان الصوافي

يكاد القلق على مصير laquo;الدولةraquo; ككيان وطني في العالم الإسلامي يشمل جميع المجتمعات. فهناك تفاوت في هذا القلق بين مكان وآخر، لكن بشكل عام الجميع يعاني. هذا ما يمكن تسجيله من خلال ما يحدث في الدول العربية الإسلامية، فكأن كل laquo;ميليشياتraquo; حركات الإسلام السياسي تتحين الفرصة كي تتخلص من الآخر من دون التفكير في مصير الكيان السياسي وباقي أفراد الشعب.

ما يحدث في المجتمعات العربية والإسلامية من جانب laquo;الميليشياتraquo; الدينية لا علاقة له بقيم الدين الإسلامي، بقدر ما له علاقة بالسياسة؛ أي أن المسألة هي laquo;أدلجةraquo; الدين بقدر ما هي سلوك غير روحي ولا إنساني. وقد تعدى الموضوع الخلافات مع الآخر، وبات الهدف هو قتل الجميع بمجرد الاختلاف السياسي معهم، وليس الديني، لأن هناك من يقتل الآخر مع أنه مسلم ومن طائفته نفسها.

إذا افترضنا أن الفوضى الناتجة عن الحركات التي تعودت على إقحام الدين في السياسة في العالمين العربي والإسلامي سمة عامة منذ أكثر من ثلاثة عقود مضت، عندما استخدم قادة الثورة الإيرانية الدين الإسلامي باعتباره منهجاً للتعامل مع الغرب، ثم laquo;الجهادraquo; في أفغانستان وتبعه اغتيال السادات، فإنني أعتقد أن النتائج السلبية في الوقت الحالي حسب المؤشرات التي تحدث على الأرض أكبر وأعمق.

أمنيات الإنسان المسلم هي وضع حد للطموحات السياسية للذين يستخدمون الدين. وقد عبر عن هذه الطموحات الشاب الباكستاني الذي استطاع الأسبوع الماضي منع انتحاري من تفجير مدرسة في بلدته يدرس فيها نحو ألف طالب، لكنه فقد حياته عندما فجر الانتحاري نفسه بعد عراك معه. كما يُتوقع أن يعبر عن هذه الطموحات كذلك المواطن المصري بالتصويت في الاستفتاء على الدستور الجديد، الذي يُعدُّ أبرز ملامحه إبعاد تدخل الدين في السياسة.

مسألة ترشيد laquo;لعبة القتلraquo; الجماعي باسم الدين كما تفعل الكثير من الحركات السياسية المتطرفة حالياً، تحتاج إلى وقفة من جميع أفراد المجتمع؛ لأنها الطريقة الوحيدة التي ستؤدي إلى عدم مضاعفة النتائج السلبية على المتناحرين عموماً، بل إنه حتى لم يعد باستطاعة قادة تلك الحركات السيطرة عليها، فـlaquo;تنظيم القاعدةraquo; يتصرف من دون توجيه ومن دون الحصول على تعليمات من زعيمه أيمن الظواهري.

واضح أن ما تفعله laquo;ميليشياتraquo; الإسلام السياسي المنتشرة في العالم الإسلامي أنها تعمل على اصطدام أفراد المجتمع بعضهم ببعض، وتدفعهم إليه. المسألة كما يبدو بالنسبة إليها لا تتعلق بالعدو الخارجي كما كان في السابق، وإنما كان الأمر صياغة استراتيجية laquo;الكراهيةraquo; ضد الآخر الذي يكون في أحيان كثيرة من أفراد الشعب، ويبدو أن هذه الميليشيات نجحت. ثم انتقلت المسألة ليكون الخلاف حول الاختلاف في الدين (مسلم ومسيحي)، حتى وصل الأمر ليكون الاقتتال على الاختلاف الطائفي في الدولة الواحدة.

أفضل نتيجة لإقحام الدين في السياسة تتجسد في القتال في سوريا بين laquo;الدولة الإسلامية في العراق والشامraquo; (داعش) وباقي القوى الإسلامية والوطنية، وكذلك الوضع في العراق، وعنتريات laquo;حزب اللهraquo; في لبنان.

للأسف الشديد، فإن استخدام هذه التيارات للدين لم يسئ إلى طموحات الإنسان العربي والمسلم فقط عندما وضعته في خانة سلبية أمام الرأي العام العالمي وبات ينظر إليه بتوجس، بل إنها أساءت كذلك لأبناء وطنها عندما اختطفت ثورتهم من أجل كرامتهم والعيش بحرية وعدالة. فقد جعلت العالم يتراجع عن دعم طموحات المواطن العربي، ومنع أي مساعدات خوفاً من وقوعها في أيدي المتطرفين الإسلاميين. بل إن الإساءة طالت الدين الإسلامي نفسه، ولو عند نسبة قليلة من الناس في الغرب، على اعتبار أن الأغلبية تدرك أن ما يفعله هؤلاء لا علاقة له بالدين الإسلامي.

هناك حالة من laquo;التكاثر والتوالدraquo; لهذه الحركات بأسماء مختلفة، بل إن بعضها يكاد يكون أشكالا laquo;هلاميةraquo; لا أساس لها على أرض الواقع، لكنها تقوم بأعمال خطيرة في المجتمع. هناك laquo;داعشraquo;، وlaquo;جبهة النصرةraquo;، وكذلك laquo;بوكو حرامraquo;، وlaquo;حركة الشباب المجاهدينraquo;، وقبل ذلك تنظيم laquo;القاعدةraquo;، الأمر الذي يعني أن تصويب المسار في المجتمع العربي قد يبدو صعباً، وأن وجود رؤية أكثر وضوحاً في خدمة المجتمع الإسلامي من هذه laquo;الميليشياتraquo; ليس لها أفق!

إن مواجهة هذه laquo;الخلاياraquo; التي تنهش الجسم الإسلامي تبدو صعبة للغاية في هذا الوقت، حيث إن هناك حالة عامة من الانقطاع السياسي العربي - وربما الإسلامي أيضاً - عن التعاون، بل إن بعض الأنظمة الإقليمية، كما تشير بعض التقارير الإعلامية، تستخدم هذه الحركات من أجل خدمة أهدافها السياسية في المنطقة العربية والإسلامية في حالة إعادة التشكل. وهذا ما يزيد من حالة القلق على مستقبل الاستقرار في العالمين العربي والإسلامي عموماً.

هناك اتفاق على أن الانقسامات السياسية بين الأحزاب أمر وارد في مراحل العمل السياسي، ربما لاختلاف الرؤى والقناعات، وبالتالي فإن حالات الانشقاق والاختلاف طبيعية، فنحن نتكلم عن أحزاب سياسية، لكن هذا الأمر لا يبرر أن يتم الانتقام من المجتمع بأكمله.

التجربة الإنسانية تخبرنا أن المجتمع الإسلامي يثور على المنشقين عندما يعرّضون أمنه للتهديد أو ينجم عن محاولاتهم مساس بالدين، وبالتالي فالمجتمع لا يقبل أن يتلاعب به السياسيون الذين يستخدمون الدين مطية لأهدافهم. وفي السعودية تجربة مهمة في التقليل من تأثير laquo;القاعدةraquo;، وفي مصر رفض الشعب تقسيم المجتمع. ولو أسقطنا هذا على حركات الإسلام السياسي المنتشرة في العالم الإسلامي حالياً، فسوف نجد الأمر قريباً من تلك الصورة التي قدّمها الشاب الباكستاني قبل أيام.

القلق الأكبر هو أن تكون قيم الدين الإسلامي من تسامح وتعايش بين الأعراق والديانات واحترام حياة الإنسان قد بدأ التفريط فيها مقابل طموحات سياسية، ومع التمادي في القتل باسم الدين، فإن الأمر يحتاج إلى وقفة من المجتمع.