توفيق رباحي

حالة من الهلع اصابت الجزائريين بسبب توارد الأخبار عن تهاوي أسعار النفط في الاسواق العالمية. بينما يتألم المجتمع مدفوعا بالخوف على قوت فئات كثيرة منه، اختارت الحكومة، كعادتها، طريق الوعود (التي لن تتحقق) والطمأنة (غير الصادقة) بأن حياة الناس وحاجياتهم اليومية لن تتأثر.


من يفقه قليلا في اللغة السياسية الرسمية في الجزائر، لا يمكنه إلا أن يتوقع عكس الخطاب المسموع، ويقول للجزائريين: أبشروا، حياتكم وحاجياتكم اليومية ستُضرب في الصميم.


وسط حالة الهلع هاته، ترأس الرئيس عبد العزيز بوتفليقة اجتماعاً وزاريا لبحث تداعيات انهيار أسعار النفط. هكذا قال البيان الرسمي الذي تداولته وسائل الإعلام المحلية.


بوتفليقة في حالة صحية لا تسمح له بمتابعة تفاصيل الوضع الاقتصادي المحلي والدولي. وإذا صدّقنا بيان الرئاسة الجزائرية وإصرار وسائل الإعلام الحكومية على أن بوتفليقة ترأس فعلا ذلك الاجتماع وأصدر حقا تعليمات للحكومة بترشيد النفقات، وجب القول إن الرئيس استفاق متأخراً جداً.


رغم تباهي الإعلام الحكومي والخاص القريب من السلطة بأن سياسة التقشف التي وجّه بها بوتفليقة لن تمس الاستثمارات والمشاريع الكبرى، سارعت حكومة السيد عبد المالك سلال إلى فتح أبواب النفاق والتخبط السياسيَين على مصراعيها من خلال اتخاذها قرارا بوقف التوظيف في القطاع الحكومي، إضافة إلى قرارات أخرى تخص الاستيراد.


النفاق لأن وقف التوظيف في القطاع الحكومي هو القرار الأول والأبرز، واتخاذه يعني أحد أمرين: إما أن الرئيس اتخذه وترك للحكومة مهمة تنفيذه دون أن تجرؤ على القول إنه قرار الرئيس حفاظا على سمعة الأخير أو خوفا منه ومن حاشيته، وإما أن الرئيس لم يتخذ القرار والحكومة اجتهدت بقيادة سلال.


أما التخبط فيسهل رصده في كون قرار وقف التوظيف في القطاع العام يعني تعزيز صفوف العاطلين عن العمل، على الرغم من أن سياسة الرئيس ومخططات عمله (إن وُجدت حقا) تقوم على توفير الوظائف لفئات الشباب.
كما أن وقف التوظيف يعني تلقائيا وقف ـ أو إبطاء ـ الدورة الاقتصادية، أي رواتب أقل تُصرف وعائلات أقل تتقوَّت وسلعا أقل تُنتج وتُستهلك.


كما يحق التساؤل عن سر المسارعة إلى اتخاذ قرار وقف التوظيف، علما أن الأمر من المفروض أنه متروك لسوق العمل ومتطلبات العرض والطلب. من المعيب أن تدّعي حكومة أنها تشجع اقتصاد السوق، ثم تتحكم في التوظيف من عدمه بقرارات فوقية تتخذ في اجتماعات مصغرة أقرب إلى السرية، إلا إذا كان الأمر متعلقا بسوق عمل لا تخضع أصلا لقواعد السوق، والتوظيف فيها يتم محاباةً أو إرضاء لمناطق وفئات وشراءً للذمم حفاظا على السلم الاجتماعي.
في الأثناء دعا السيد سلال الجزائريين إلى التضامن مع الحكومة في هذه الأوقات الصعبة والضائقة المالية التي قد تترتب عن مزيد من الانهيار في أسعار النفط.


بهذه الدعوة يطلب سلال من الجزائريين أن يردوا للحكومة بعض الجميل، وما لم يقله صراحة هو: عندما كانت أسعار النفط تناطح الـ120 و140 دولاراً للبرميل، أغدقنا عليكم، واليوم جاء دوركم لتمنحونا صمتكم وتكفوا عنا شغبكم المعتاد.


المشكلة أن ما كانت تغدق به الحكومة على الشعب كان نوعاً راقيا من الفساد المشرعن قانونيا والمصان سياسيا. فساد يعلّم الكسل ويرسخ في أذهان الناس أن الحقوق تُنتَزع ولا تُعطى. كان هناك نوعان من السخاء الحكومي: واحد ضيّق النطاق يأتي عادة في شكل رد فعل على حالة غضب وشغب كما حدث مع إضراب واحتجاجات رجال وضباط الشرطة قبل نحو شهرين. أو عقب احتجاجات سكان منطقة أو مدينة ما على تردي الحياة المعيشية، فيهرع رئيس الحكومة أو وزراؤه لتقديم الوعود وتبذير المال العام.


وكان هناك سخاء نزل مع ورشات كبرى مثل الطريق السيار وترامواي العاصمة ومشاريع السكن. لكن أغلب هذه المشاريع رافقها تبذير فادح في المال العام في شكل نهب تارة وسوء تقدير تارة أخرى، مع غياب تام للمساءلة والمحاسبة.


ردات الفعل الساخرة التي غمرت مواقع التواصل الاجتماعي على دعوة سلال تختصر إلى حد بعيد ردة فعل المجتمع الجزائري. أول عيوب الدعوة انها صادرة من رجل لا يرأس حكومة بقدر ما يقود فريقا يرعى الفساد ويحمي الفاسدين. ذلك أن الجزائريين يعرفون أن الصناعة الوحيدة التي نمت في عهد بوتفليقة هي صناعة اللصوصية والفساد. والحامي الأول لهذه الصناعة كان ولا يزال سلال وفريقه.


وثاني عيوبها أنها صادرة من رجل كان قبل ثمانية اشهر، في ذروة المهزلة الانتخابية التي توجت بوتفليقة رئيسا لولاية رابعة، يعد الناس بمزيد من الوظائف والمشاريع والأحلام. كان الرجل ومن حوله في حالة من الهذيان. ألم يكن يدرك أن أسعار النفط، مثلما ارتفعت إلى مستويات غير معقولة، قد تنزل إلى مستويات مخيفة؟ هل نسيَ آنذاك أن 98% من عائدات بلاده مصدرها نفط لا تتحكم الجزائر في سوقه وأسعاره، بل لا تؤثر فيها قيد أنملة؟ هل كان يعلم كل هذا واختار تضليل الناس في سبيل أن يبقى بوتفليقة جاثما على صدور الجزائريين أربع سنوات أخرى؟
أياً كان الجواب، سقطت ورقة التوت. التاريخ لن يرحم هذا الرجل بالقدر نفسه الذي سيحاسب به بوتفليقة وحاشيته على هذه الحفرة السحيقة التي انتهت إليها الجزائر.