عبدالله العوضي

في الأزمة السورية الحارقة والخانقة لكل حل سياسي يراد أن يمرر عبر القنوات الدبلوماسية أو حتى من وراء الكواليس، يسقط الحل عند أول اختبار إذا ما اقترب المؤتمرون من «الأسد».

وهذا الدوران حول «الأسد» على المستوى الإقليمي والدولي سوف يطول حتى يجد الكل موقعه من الإعراب في سوريا المكلومة بالأسد ونظامه، قبل دخول «داعش» والجماعات الأخرى على ذات خط الأسد في التنكيل والبطش والقتل والسحل.

هذا الوضع يقودنا إلى القول الفصل في الكارثة السورية بأيهما يجب البدء سياسياً وواقعياً: بسوريا الدولة أم بسوريا الأسد ونظامه الفرد؟!

وهذا سؤال منطقي في ظل كافة التدخلات التي حدثت ولا زالت مستمرة من قبل روسيا وإيران على وجه الخصوص، وكذلك التيارات الفكرية المتطرفة التي تسللت إلى سوريا عندما اتسع خرقها وضاع أمانها واستقرارها. ولم يتم استدراك ذلك في الشهور الأولى من الأزمة وخاصة عند رفض «الأسد» النزول إلى غابته والاطمئنان على رعاياه الذين ذهبوا تحت الأقدام بلا ثمن ولا عنوان.

وهذا الوضع الحساس هو ما حدا بأوباما أن يرفض إلى الآن إرسال قوات برية إلى سوريا لأنه يعلم ماذا سيحدث هناك، وقد ذاقت أميركا ويلات ذلك في الصومال، مع فارق التشبيه والمقارنة بين المكانين.

فأوباما يقول بأنه «لايمكن إنهاء الحرب الأهلية والقضاء على داعش في سوريا، حتى التوصل لتسوية سياسية بشأن الأسد، وعند مرحلة ما سيتعين على روسيا وإيران أن تقررا إن كان عليهما أن تستمرا في دعم الأسد أو الحفاظ على الدولة السورية»، أي بمعنى آخر، الاختيار بين حرق الغابة السورية حتى يهرب «الأسد» إلى اللامكان أو الحفاظ على سلامة الغابة حتى لو لم يكن من عناصرها وجود «الأسد»، حفاظاً على بقية المكونات المهمة والتي لا تقل من الناحية الإنسانية عن وجود «الأسد» ذاته.

المحللون السياسيون يرون مع اجتماع «فيينا» الأخير وقبول معظم المشاركين بالحل «الديمقراطي» ولو بعد ثمانية عشر شهراً من ذلك الوقت، إلا أن المدة الزمنية المتبقية - ليست كفيلة - بحل ثلاث عُقَد سورية مأزومة لن تحل خلال الأعوام الخمس الماضية فكيف ستحل خلال الأشهر القليلة المقبلة.

العقدة الأولى «عقدة الأسد» التي راح ضحيتها إلى الآن أكثر من ربع مليون سوري نشدوا تنازل النظام قليلاً عن جزء ضئيل من غطرسته والتقليل أيضاً من بارود براميله الطائرة على رؤوس الأبرياء، إضافة إلى 13 مليون سوري مشرد ومهجر في الداخل والخارج، هؤلاء بحاجة إلى سنوات إضافية لإعادة تأهيلهم وإرجاعهم إلى أسراب وطنهم.

حتى الساعة إذا نجحت الخطة السياسية الدولية للحل السوري، فإنه سيتم الأخذ في الاعتبار، عندما يحين موعد الانتخابات، قرابة عشرة ملايين من الشعب الباقي على صموده قد يتناثر معظمه في الأصقاع الأخرى ولو بعد حين.

والعقدة الثانية وهي أكثر تعقيداً من الأولى وتتعلق بشبكات المعارضة المتشابكة، فالمعارضة السياسية المعروفة عناصرها وحجمها فيها شريحة كبيرة لا تقبل ببقاء الأسد في سوريا لحظة، فكيف بالفترة الزمنية القادمة، والآخرون من الموافقين على بقائه لستة أشهر قادمة، هم على مضض ويعرفون بأن الأرض السورية متحركة ولم تعد تحت سيطرة أي فصيل ولا حتى النظام القائم.

والعقدة الثالثة وهي الأكثر خطورة وأهمية لمستقبل سوريا، ترى من سيحكم سوريا بعد سنتين من الآن: المعارضة التي تحتوي كل عناصر الطيف السوري والمعترف بها دولياً، أم «داعش» الذي يغتصب مساحة كبيرة من الكعكة السورية، أم التيارات الإسلامية الأخرى التي تشارك في هذه الأزمة بصورة أو بأخرى، وقد تنتظر لحظة الانقضاض على «الفريسة» السورية ما بعد «الأسد» فالنتيجة صفرية لصالح العودة إلى تقسيم الوطن بدل تدميل جراح «الأسد» في بداياته.
&