قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

راجح الخوري

يشكل الإعلان عن قيام تحالف إسلامي عسكري لمحاربة الإرهاب منعطفًا أساسيًا وحاسمًا في التصدي لـ«داعش» واستئصال التنظيمات الإرهابية، التي لم تروع الدول الإسلامية والعربية بجرائمها القذرة فحسب، بل روعت دول العالم كله، والأشنع من كل هذا أن «داعش» والمنظمات الإرهابية، تمضي في تشويه صورة الإسلام أمام الرأي العام العالمي، إلى درجة أن كل مسلم بات يمثل إرهابيًا في نظر المجتمعات الغربية، وكل مواطن أسمر اللون بات مشبوهًا، إلى درجة توقيف اثنين من المواطنين والتحقيق معهما في أحد المطارات الأميركية، لمجرد أنهما كانا يتحدثان بالعربية.


وهكذا عندما يعلن ولي ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان عن قيام هذا التحالف الذي يضم 34 دولة إسلامية، ويصدر بيانًا مسهبًا ومهمًا في إدانته الإرهاب المحرم شرعًا الذي يشكل انتهاكًا خطيرًا لكرامة الإنسان وحقوقه، ويهدد الأمة والمجتمعات، ويؤكد أنه انطلاقًا من تعاليم الشريعة الإسلامية السمحة التي تحرم الإرهاب بجميع صوره وأشكاله، وتعتبره جريمة نكراء ترفضها كل الأديان السماوية، ولأنه يهدد الأمن والسلام الإقليميين ويشكل خطرًا على المصالح والعلاقات بين الأمم، فإن ذلك يشكًل منطلقًا حاسمًا على مستويين، وهما:
التصدي للإرهاب واستئصاله ووضع نهاية ضرورية لفظائعه، وإظهار حقيقة أن الإسلام دين الوسط السمح الذي يحاول الإرهابيون اختطافه، وتشويه صورته وجعله بعبعبًا يهدد المجتمعات وعدوًا تحاربه الأمم.


إن قيام التحالف العسكري الذي يضم 34 دولة ليس بالنسبة إلى السعودية سوى خطوة جديدة حاسمة ومهمة في الحرب الشعواء التي تشنها على الإرهابيين منذ زمن بعيد قبل قيام «القاعدة» وبعدها، وإذا كان «التحالف الدولي لمحاربة الإرهاب» قد أعلن من جدة قبل عام تقريبًا، فإن السعودية نجحت في استئصال الإرهاب وتواصل حربًا بلا هوادة عليه، مما دفع باراك أوباما تكرارًا إلى الاعتراف بأنها كانت الأقدر والأنجح في التصدي للمنظمات الإرهابية.


ثم إنها لطالما حرضت المجتمع الدولي على الانخراط في هذه الحرب، وليس خافيًا أنها سبق أن دعت إلى قيام المركز الدولي لمحاربة الإرهاب، وقدمت مائة مليون دولار في هذه السبيل.
قبل أشهر عقدت في واشنطن قمة لمواجهة التطرف تزامنت مع المؤتمر العالمي، الذي عقد في مكة المكرمة بعنوان «الإسلام ومحاربة الإرهاب»، ونظمته رابطة العالم الإسلامي، حيث كان لخادم الحرمين الشريفين كلمة ألقاها مستشاره الأمير خالد الفيصل، وجاء فيها أن ما ترتكبه الجماعات الإرهابية من الجرائم المنكرة يسيء إلى الإسلام، ويشحن الرأي العام العالمي بكراهية المسلمين، وهو ما يتلاقى مع كلام أوباما من «أن الإرهابيين لا يتحدثون باسم مليار مسلم، وأن الغرب ليس في حرب مع الإسلام».


واضح أن «داعش» يريد أن يصور جرائمه وكأنها تصرّف يمثل الإسلام، صحيح أنه استهدف الكثير من المسلمين، لكنه يحاول الإيحاء بأن هناك حربًا بين الإسلام والعالم، ولهذا يؤكّد خادم الحرمين الشريفين أن الإرهاب المتأسلم تغوّل بالقتل والغصب والنهب، وهو ما يهدد الأمة الإسلامية قبل غيرها.


أوباما يقول إن الحرب على الإرهابيين يجب أن تُخاض أيضًا في العقول والقلوب كما في الجو والبر، ويتلاقى هذا مع دعوة خادم الحرمين الشريفين في مؤتمر «الإسلام ومحاربة الإرهاب»، إلى التصدي لآيديولوجيات المتطرفين وبناهم التحتية، وبعض الدعاة الذين يجنّدون ويموّلون وينشرون الفكر المتطرف، ويحضّون الناس على العنف.


تعمد أوباما دعوة القادة المسلمين إلى فعل المزيد لإظهار أكاذيب فكرة «داعش» والإرهابيين القائلة إن الغرب يشن حربًا على الإسلام، ورأى أن الأفلام والمحتوى الترويجي الذي يبثه الإرهابيون على «تويتر» ووسائل الاتصال الاجتماعية، بغية تجنيد الشباب، تشكّل خطرًا داهمًا على المجتمعات الإسلامية التي يخاطبونها، لهذا على هذه المجتمعات أن تبادر إلى حماية نفسها بنفسها.


لقد بات من الواضح أن العمليات العسكرية التي يشنها التحالف الدولي على «داعش» لا يمكن أن تشكّل الرد الوحيد على العنف والتطرف، فإن ملامح الجواب على هذا الكلام بدت واضحة عبر الدعوات الصريحة والمتصاعدة منذ أشهر إلى تشكيل تحالف عربي تكون مهمته الرئيسية التصدي لكل التنظيمات الإرهابية، وها هو الرد يأتي من السعودية عبر الإعلان عن قيام تحالف معظمه من الدول السنية، وهذا في غاية الأهمية لسببين:
أولا - لتخليص الإسلام المختطَف من أيدي الإرهابيين الذين يشوهون صورته ويضعونه في مواجهة العالم، تأسيسًا لصراع الحضارات، وليس خافيًا أنه بعد الجرائم التي شهدتها باريس وكاليفورنيا ومترو الأنفاق في لندن، ارتفعت حالة من العداء تقارب العنصرية ضد المسلمين والعرب، والأمر هنا لا يتوقف على تصريحات دونالد ترامب المسعورة، ومواقف مارين لوبن البغيضة في فرنسا، بل إن ملامح صعود اليمين المتطرف في بلدان أوروبية كثيرة، يدفع في اتجاه العداء الذي تشعل نيرانه جرائم «داعش» الذي يختطف صورة الإسلام عمومًا.


ثانيًا - لمنع قيام الفتنة المذهبية الكبرى بين السنّة والشيعة، ذلك أن الاعتماد على أميركا المنخرطة في سياسات ملتبسة مع إيران، والتي تعطيها دورًا في محاربة «داعش»، سيوفر للإرهابيين ذخيرة دعائية كبيرة، عبر القول إنها حرب تشنها أميركا وإيران ضد السنّة، وهو ما يساعدهم في تعزيز عددهم بمزيد من المتطرفين، عبر الإيحاء لهؤلاء بأن الحرب هي تواصل مع الحروب الصليبية القديمة.


أن الحديث سابقًا عن إحياء اتفاقية الدفاع العربي المشترك لمحاربة «داعش» لا معنى له بسبب الخلافات بين الدول العربية الغارقة، ولهذا فإن الوضع الخطير الذي يتهدد المنطقة والدول الإسلامية لا يحتاج للعودة إلى عام 1965 تاريخ الاتفاقية الدفاعية التي لم ولن ترى النور، بل إلى المبادرة المهمة التي اتخذتها السعودية لإنشاء التحالف الإسلامي المذكور.


ولي العهد الأمير محمد بن نايف قال يومًا إن الإرهابيين اختطفوا أجمل ما عندنا.. ديننا الحنيف وأولادنا واستعملوهما ضدنا، ولهذا يبدو الإعلان عن قيام التحالف الإسلامي لمحاربة الإرهاب عسكريًا وفكريًا وإعلاميًا، منعطفًا مهمًا لتخليص الإسلام والعالم من الوباء الإرهابي.


وتمامًا كما قال الدكتور أنور قرقاش: «إن في يدنا وحدنا القدرة على وقف الجنون والاستنزاف، ولأننا نحن من يدفع الثمن الباهظ لخطاب الغلو والتكفير، فإن خلاصنا يجب أن يكون على يدنا، وأن تكون لنا اليد الطولى في التصدي للإرهابيين».
&