قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

سمير عطا الله

أتابع، قدر المستطاع، ومن وقت إلى آخر، أخبار الخلاف بين مصر وإثيوبيا حول «سد النهضة» الذي تقيمه الأخيرة. ومصادري في المتابعة مصرية طبعًا. وعواطفي مصرية. أما حقائقي فلست واثقا تمامًا. ولذلك لا علاقة لي ولا ادعاء، في صلب الخلاف. كل ما في الأمر بضع ملاحظات في مبادئ الخلاف بين أهل الجوار، أي جوار.


منذ أن بدأ الحديث عن مضار السد على مصر، قامت في القاهرة أصوات، بعضها عريق ومحترم، تدعو إلى الحرب على إثيوبيا وتأديبها. والحروب عادة آخر الحلول أو آخر الكوارث. هناك مراحل كثيرة قبلها. هناك المفاوضات وهناك الخبراء وهناك المحاكم والتحكيم. لقد طبع في أذهان العالم أن النيل مصري. واليونانيون القدامى سموه «مصر». لكنني أشك أنهم كانوا يعرفون يومها أنه يمر في عشر دول أفريقية قبل أن يقطع تلك المسافات العظيمة ويصل إلى مصر، ومنها إلى المتوسط. ولدول «الحوض» حقوق في هذا البحر، وإن كانت مصر هبته الكبرى وسيدة ضفافه وأهم مراحل تاريخه.


ثمة قوانين دولية تنظم حقوق أحواض البحار والأنهر وأعماق المياه. وهذه القوانين تمنع على الدول الواقعة قبل سواها إلحاق الضرر بجيرانها. لا يحق لتركيا، بلد المنبعين، أن تمنع دجلة والفرات، عن سوريا والعراق. توأمان مولودان في تركيا أعطيا اسمهما للعراق القديم، ما بين النهرين. تمامًا مثلما أن النيل هو مصر وليس الكونغو ولا بوروندي.


يأتي معظم الخصب الذي يحمله طمي النيل من إثيوبيا. نحو 110 ملايين طن في العام. وبسببه كانت مدينة صور عندنا جزيرة في القديم وأصبحت ساحلا. لكن النيل لم يغير في الحدود أيضًا. تركها للناس كما هي، مرة يطلبون الوحدة، ومرة يفضلون الانفصال، وغالبًا يتقاتلون في معارك لا تفيد سوى التماسيح.


مشروع «سد النهضة» قضية حياتية كبرى، في إثيوبيا وفي مصر. وكان القذافي قد بشر قبل نحو ربع قرن بأن حرب مياه النيل سوف تنفجر بعد «خمس سنوات». لكن خَمَس «خمْس سنوات» مرّت ولم تقع والحمد لله. ومن أجل ألا تقع، يجب أن تُحصر القضية في أهلها، أي في حكومتي مصر وإثيوبيا، وإذا تعذر التوافق، فالمحاكم الدولية المختصة، وإذا تعذر، فمنظمة الوحدة الأفريقية، وإذا استحال فالأمم المتحدة. وإذا عجزت، فلنبدأ البحث من جديد قبل أن نغرق ملايين الناس في فيضان الدم حرصًا على فائض المياه.
&