عبد الوهاب بدرخان

خلاصة ما نشرته «وول ستريت جورنال» عن اتصالات أميركية مع «ضباط علويين» عام 2011 لاستكشاف بدلاء عن رئيس النظام السوري والاتصالات اللاحقة مع النظام نفسه، وكذلك ما كشفه الصحافي سيمور هيرش عن سياسة خارجية سرّية اختطها البنتاغون في هذا الخصوص، لا تضيئان فقط على تخبّط الإدارة الأميركية بل تفسران خصوصاً سرّ الثقة الدائمة التي أبداها بشار الأسد برغبة واشنطن في بقائه في منصبه. ويمكن الاعتقاد بأن الروايتين تداخلتا حكماً بسبب تعدد الأطراف التي كانت على علم بالاتصالات، والتي كانت تتقاطع في دمشق وتمنحها إمكان تبادل المعلومات وتحليلها فضلاً عن الاستفادة منها.

بات ملحّاً استكمال الصورة بالبحث عن الرواية الأخرى لتحديد أسباب تصفية أعضاء «خلية الأزمة» في يوليو 2012، بتفجير غرفة اجتماعها، وما إذا كانت مرتبطة بكشف تفاصيل الاتصالات الأميركية بضباط. ذلك أن بعض المصادر المتخصصة والدراسات المستندة إلى معلومات استخبارية، استبعدت دوراً لأي جهاز خارجي استطاع اختراق المنظومة الأمنية إلى هذا الحدّ، وعزاه إلى ازدياد نفوذ «الخبراء» الإيرانيين في عملية صنع القرار في دمشق. وإذا كانت تلك الاتصالات حصلت بعد شهور عدة من بدء التظاهرات السلمية، ولم تتأكّد المعلومات بشأنها إلا بعد نحو عام، فمن أين جاءت «نظرية المؤامرة» التي راح النظام يشهرها منذ الأسابيع الأولى للأزمة لتبرير العنف الذي واجه به المتظاهرين. قد يُفسّر ذلك بأن الحديث عن «مؤامرة» من التقاليد الشائعة لأنظمة كهذه، إلّا أنه في هذه الحال تحديداً يعني أن النظام السوري كان يخاطب الخارج مبكّراً بوجوب استثنائه.

&

على أي حال، وبعيداً عن إيضاح الظرف الزمني الذي بدأ فيه البحث عن ضباط بدلاء، أي بعدما أُعطي النظام فرصة لاحتواء الاحتجاجات، فإن رواية «وول ستريت جورنال» تساعد النظام وحلفاءه في إثبات ادعاء «المؤامرة». لعلها كبرى التسريبات الأميركية حتى الآن، ولعل ما أخرجها أن وزير الخارجية جون كيري صرّح بوضوح قبل أسبوعين في موسكو بأن واشنطن لم تعد تعمل لتغيير النظام في سوريا. لكن هذا الإقرار جاء متأخراً، فالنظام ضمِن عدم سقوطه أو إسقاطه، أقلّه منذ 30 سبتمبر الماضي، التاريخ الرسمي لبدء العمليات الجوية الروسية. فلو نجحت الاتصالات الأميركية اللاحقة بدمشق لكان ربما أحجم عن طلب مساعدة «الصديق الروسي»، لكنها أجريت في أجواء انعدام ثقة ولحضّه على تقديم أي تنازل يتيح لواشنطن إجراء أي تغيير علني في موقفها منه، وهو كان ينتظر التزاماً رسمياً بضمان بقاء النظام بالصيغة التي تناسبه.

هذا يعيدنا إلى الرواية التي يقدّمها سيمور هيرش في «لندن ريفيو أوف بوك»، وفيها تفاصيل مثيرة عن تسريب هيئة الأركان المشتركة ووكالة الاستخبارات الدفاعية تقويمها وبعض معلوماتها عن الوضع السوري إلى نظيراتها العسكرية في روسيا وألمانيا وإسرائيل، ومن هذه الأطراف إلى النظام السوري كـ«مساعدة» مجانية! أما الدافع فهو أن البنتاغون توصّل إلى تحليل مفاده أن سقوط نظام الأسد سيؤدي إلى الفوضى و«ربما سيطرة الجهاديين» المتشدّدين على سوريا. وفي ضوء الواقع الراهن من «حرب على داعش» وجدل حول «المعارضة المعتدلة» وتصنيف الجماعات المقاتلة بين إرهابية وغير إرهابية.. يبدو هذا التحليل البنتاغوني فاقعاً في بديهيته. غير أنه بني بمعزل عن وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية (سي آي إي) التي انخرطت في اتصالات واسعة وعميقة بالمعارضة، وراحت تمدّ بعض مجموعاتها بأسلحة رخيصة اشتريت في ليبيا ومعظمها «مضى عليه الزمن وغير صالح للاستعمال». وطالما أن التسريب إلى الخارج حصل عام 2013 فمن المهم هنا أيضاً التدقيق في ظرفه الزمني، إذ قيل إنه جاء بعد تغلغل «داعش» في نواحي الرقّة، وليس مفهوماً كيف يتجاهل العسكريون الأميركيون وقائع تسهيلات تلقاها التنظيم لقصف مواقع «الجيش الحرّ» وليس تجمعات «داعش».

وفيما كان أوباما يهجس بدروس احتلال العراق، كان عسكريوه يهجسون بدروس ليبيا ويقارنون بينها وبين تطوّرات محتملة في سوريا، وبذلك التقوا مع هواجس فلاديمير بوتين الذي لم ينسَ بعد تجربتي أفغانستان والشيشان. لذلك فهي سابقة أن يعتمد البنتاغون على استراتيجية عثر عليها عند الخصم التقليدي في موسكو، وافتقدها في المكتب البيضاوي. ولعل اللافت سواء في تحليل سيمور هيرش لمعلوماته أو حتى في ما نقله عن مصادره كان في عدم الإشارة إلى إيران. أما الخلاصة السوداء لهذه التسريبات فهي أن أحداً من «أبطال» هذه الرواية لم يكن همّه في أي لحظة مساعدة سوريا وشعبها.
&