: آخر تحديث

الأخلاق والأنظمة

 عبدالله بن بخيت

لا أريد أن أعرف الحداثة.. سأدخل مباشرة في الموضوع دون تعريفات فلسفية، بدون مجازفة يمكن القول إن كل شيء في حياة الإنسان ينتسب إلى نظام أخلاقي.

استوردنا السيارة واضطررنا أن نستورد قوانين المرور معها ولكننا تصدينا للأخلاق المنظمة لهذه القوانين. استوردنا نظام الجوازات ونظام البلدية عارية من ملابسها الثقافية.

في بعض الدول تلاحظ أن البشر يعيشون في بيوت اسمنتية، لم تشطب، فرض الفقر عليهم التوقف عند هذه المرحلة من البناء، يمكن التعايش مع هكذا وضع كما يمكن التعايش مع الأوضاع الصعبة كالحروب.. تفتقر البيوت الاسمنتية إلى كثير من اللمسات والإضافات لتكون إنسانية. مجرد مأوى يصلح للبشر في الحالات القاهرة. قوانين المرور والجوازات وغيرها استوردناها عظماً.. رفضنا استيراد تشطيباتها الغربية الأصلية ورفضنا في الوقت نفسه تشطيبها بنظامنا الأخلاقي.. الرجل فينا لا يقف عند الإشارة احتراما للنظام ولكن خوفا من الحادث أو خوفا من العقوبة فقط.

لو فتشت كل الفتاوى الدينية التي صدرت في الثلاثين سنة الماضية وهي في الحقيقة أكثر من الفتاوى التي صدرت في تاريخ الإسلام كله لن تجد إلا النزر اليسير الذي يتحدث عن قوانين المرور أو عن قطع الإشارة أو العبث بجواز السفر أو الالتزام بالنصائح الطبية أو بقوانين البلدية ورمي العلب الفارغة في الشارع.. الخ... قارن بين كمية الفتاوى المتعلقة بعباءة المرأة والقوانين المتعلقة بكوارث المرور.

سيرفض كثير من خصوم الحداثة كلامي هذا ويعده تجنيا ولكن هذه الحقيقة التي يتوجب علينا مواجهتها.. لفض النقاش أقترح أن تضع في جوجل (عباءة المرأة) ثم تضع (كوارث المرور). احص الفتاوى هنا والفتاوى هناك لتعرف.

الإنسان المسلم يستند على الدين كمنظم لأخلاقياته وسلوكياته ويعتمد على مشايخ الدين لتزويده باحتياجاته الأخلاقية المستمدة من الدين وتكييف ما استجد في حياته لكي تسير حياته المادية والأخلاقية جنبا إلى جنب. عندما يركز المشرع على عباءة المرأة ويصدر لها آلاف الفتاوى، بل ويضع لها التصاميم والمواد المستخدمة وطريقة لبسها ويهمل أي حديث عن العبث بقوانين المرور (المستوردة) ستصبح هذه القوانين مرتعا لكل أشكال الفساد والاختراق.. قارن بين احترام الناس لأخلاقيات العباءة التي ركز عليها كثير من المشايخ وبين احترام الناس لأخلاقيات التعامل مع قوانين المرور أو الجوازات أو غيرها من قوانين الحداثة.. مازال الناس يتعاملون مع هذه القوانين كقوة قاهرة مفروضة عليهم.. طاعتها تأتي خوفا من العقوبة المحتملة.. حتى إن المرء فينا يجد لذة في اختراقها والتلاعب بها. كثير منا يبحث عن واسطة للتخلص من الانتظام في طابور لن يستغرق منه نصف ساعة.. من جهة أخرى كل فرد فينا يحترم كبير السن ليس خوفا منه ولكن لان احترامه جزء من منظومتنا الأخلاقية التي كرسها الوعي الإنساني والدين.

نعيش صراعاً بين حياتين متناقضتين.. حياة الأنظمة التي تنظم حياتنا الحديثة التي تسمى في الحملات الثقافية (التغريب) وحياة الأخلاق الموروثة.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد