: آخر تحديث

السد الإثيوبي بين مصر والسعودية

 عبد الرحمن الراشد

 صورة الوزير السعودي أحمد الخطيب وهو يزور سد النهضة الإثيوبي يبدو أنها كانت العذر للبعض للتراشق الإعلامي الذي نقل العلاقة بين الرياض والقاهرة من الحميمية إلى لغة دورات المياه.
وحتى لو افترضنا أن الصورة والزيارة في باطنهما معانٍ غير السياحة والاستثمار فإن إدارة الأزمة باستخدام الإعلام تعتبر وسيلة ضغط قديمة بالية وفاشلة ومضرة.
إثيوبيا دولة مهمة اقتصاديًا في أفريقيا، وتعتمد عليها الولايات المتحدة في معالجة عدد من قضاياها العسكرية والسياسية في القارة، حيث نجحت مثلا في احتواء الصومال بالقوة، بعكس أفغانستان، وقامت بتأديب إريتريا، مع هذا فإن مصر تبقى أكبر وأهم، وأكثر قيمة عند السعوديين من إثيوبيا. هذه مسألة محسومة مهما قال عكس ذلك الإعلاميون المصريون والسعوديون.
نعم، تمر على العلاقات هبة شتاء باردة، لكنها ليست حول قضايا سياسية إقليمية كبرى كما يروج، أو على الأقل ليس بعد. ويفترض من الدبلوماسيين المهرة أن يعزلوا أسباب الخلاف عن مجمل العلاقات، ومن المألوف أنه حيثما توجد علاقات كثيفة ومترابطة عادة تقع الخلافات، ولهذا علاقاتنا مع الدول الاسكندنافية دائمًا مستقرة. الخلافات بين البلدين الشقيقين ليست حول ما يروج، ليست سوريا كما يشاع، وأستبعد ما زعم بأن مصر تزود المتمردين في اليمن بالصواريخ، لأن مصر تدرك أنه عمل خطير، فالصواريخ الحوثية مسؤولة عن قتل مدنيين سعوديين، حيث يستهدفون عمدًا القرى والمدن داخل الحدود السعودية. كلها روايات تروجها أصوات محسوبة على جماعة الإخوان المسلمين.
كما أن إعلان أطراف عراقية عزم الحكومة تزويد مصر بالمنتجات النفطية بديلاً عن الشحنات السعودية المتوقفة ليس معقولاً. فمن الصعب على العراق مدها به، لأنه لا يملك ما يكفي حاجته ولا يمكن أن يستمر بتقديمها مجانًا.
أما موقف مصر حيال سوريا فهو واقعي، لا يختلف عن موقف تركيا في الآونة الأخيرة. وفي آخر مشروعين قدما للجمعية العمومية صوتت مصر إلى جانب الشعب السوري ضد نظام الأسد، بخلاف بعض الدول العربية الحليفة. كما أن موقفها الأخير في مجلس الأمن ضد المستوطنات الإسرائيلية مرتبط بظروف القاهرة القاهرة، ولا نتوقع منها أن تعرض أمنها ومصالحها الكبرى للخطر، خاصة بوجود دول أخرى قامت «بالواجب» نفسه وأعفت القاهرة من الإحراج والأزمة من أجل قرار رمزي.
الخلافات السعودية المصرية هي على مسائل ثنائية، ولا أقول ثانوية، وستنتهي بالتفاهم بعد شهر، أو سنة، أو قد لا تحل. ولا يفترض أن تترك العلاقات للمساومة لأنها استراتيجية، ومخطئ من يحتسب موقف مصر عندما تساند دول مجلس الخليج ضد إيران على أنه موقف تضامني، بل يخدم المصالح المصرية العليا، بمنع إيران من التمدد والهيمنة سواء في سوريا أو العراق أو الخليج. فتعاظم نفوذ إيران في كل متر على الأرض يتم على حساب مصر كدولة إقليمية كبرى موازية. وإذا أرادت القاهرة الانكفاء والتنازل عن دورها فإن هناك العديد من الدول الإقليمية الكبرى الأخرى متحفزة للقيام به، ودول الخليج هي من يرجح الكفة بين تركيا وباكستان وإثيوبيا وإيران، ولعب الدور الإقليمي يعظم من قيمة الدول سياسيًا وعسكريًا واقتصاديًا.
فمصر تحصل على ثاني أكبر معونة عسكرية اقتصادية أميركية، ليست فقط جزءًا من ترتيبات اتفاقية كامب ديفيد بل أيضا لأهميتها الإقليمية، وهو ما أفشل محاولات المعترضين عليها في الكونغرس لوقفها أو تخفيضها.
أرى أن أكبر عيب في العلاقات الخليجية المصرية يكمن في محدودية أفقها، تظل مجرد علاقات بسيطة المضمون. والتوجهات الأخيرة، منذ نحو عامين، ببناء شراكات اقتصاديات جيدة، لأنها تضمن ديمومة العلاقات بدلا من سياسة المنح والمساعدات. فالشراكات توسع حجم النشاط بين الجانبين، أكبر بمرات من القائم حاليًا، ويمكن أن تغير واقع اقتصاد مصر والخليج. هذا ما طرحته الحكومتان السعودية والإماراتية على القاهرة، والعتب دائمًا على البيروقراطية المصرية، هي عدوة الحكومة المصرية أكثر من كل خصومها الآخرين مجتمعين. وإن لم تسِر مصر سريعًا في طريق الإصلاح فإنها ستفقد الفرص التاريخية التي تتشكل في الخليج، ولن تكون شريكًا اقتصاديًا عملاقًا، وستبقى تتطلع للمعونات التي يستحيل أن تدوم بأرقام كبيرة.
ختامًا، نحن نعرف أن الذين يحاولون تخريب العلاقات جماعات هي خصم للطرفين، توزع صور صواريخ مزورة وتضخم قرارات سياسية محدودة وتحرض على القطيعة.

 


عدد التعليقات 2
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
1. من التهويل الى التهوين ..
راشد العربى - GMT الثلاثاء 27 ديسمبر 2016 05:37
من الواضح جدا ان الاستاذ عبدالرحمن الراشد ، يسعى حثيثا الى محاولة التخفيف والتهوين من المواقف المصرية التى تؤكد بوضوح تام ان القاهرة اختارت الوقوف استراتيجيا ضد الرياض فى واحدة من المنعطفات الحرجة والتاريخية التى تمر بها المنطقة ... ذلك ان امن المملكة ليس امرا ثانويا يمكن تجاوزه او القفز عليه ، نعم مصر اخترت الوقوف ضد الرياض بشكل واضح ولا يقبل التأويل ، وللاسف الشديد فان الكاتب الكبير / عبدالرحمن الراشد هو من يسعى الى التخفيف من المواقف المصرية ، لانه يعتقد ان ذلك يصب فى مصلحة فصيل سياسى معين يناصبه الكاتب العداء ، ولكننا نقول ان امن المملكة خط احمر بالنسبة لجميع الشعوب المسلمة وهو ليس امرا ثانويا كما يعتقد الكاتب الكبير دفاعا عن القاهرة !!
2. المصير المشترك
muwaten - GMT الثلاثاء 27 ديسمبر 2016 10:42
على الجميع ان يعلم بان مصيرنا مشترك وان الاخر سوف لا يوفر أي من الدول العربية وعلى العرب ان يصلوا الى موقف مشترك وموحد تجاه العالم حيث لا مكان للضعفاء ونحن راينا ان الدول العربية قاطبة عاجزة عن التنمية المستدامة وعاجزة عن توفير الرفاه لشعوبها وعاجزة عن تقديم أي شيء للعالم فعلينا ان نعي حقاءق امرنا فنحن غير متفوقين باي شيء لا في العلوم ولا في الصناعة وباقي المنظومة التي تقاس بها الأمم وعليه فلا سبيل للنهوض الا اذا تكاتفت جهودنا وعلى الدول المحورية في الزمن القديم انها لم تعد كذلك او لنقل ان هناك من تقدم عليها فمصر والعراق وسوريا في المشرق لم تعد كما كانت بالنسبة لقدراتها وامكاناتها رغم ان لديها إمكانات كامنة ولكن تحتاج الى العمل الدؤوب والى المساندة من دول لم تكن ذات شأن اقتصادي وعلمي الخ فمثلا دول مجلس التعاون قبل مائة عام لم تكن فاعلة على المستوى الإقليمي والعالمي ولكن اكتشاف النفط والغاز وما صاحبهما من تنمية وضعا هذه الدول على الخارطة العالمية وليس فقط الإقليمية وهذا يجب ان ينظر الى هذا التطور على انه مكمل ومساند لنهضة العرب وليس منافس للدول المحورية في الزمن السابق وعلينا ان نعلم بان كامل الناتج العربي 2.6 تريليون دولار يوازي الاقتصاد الإيطالي او الروسي ولكن لدينا طاقات كامنة يجب ان نفعلها ولكن مجتمعين والا سوف نكون كلنا خاسرين وعليه فعلينا ان نعمل على عقد جديد بين دولنا وكذلك بين حكامنا وشعوبنا لان الحك بعيدا عن مشاركة الشعوب سوف ينتهي بالفشل


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد