&تفسير الاستثناء المغربي جغرافيا واقتصاديا ودينيا وسياسيا

&محمد بنعزيز

&يوصف المغرب بأنه بلد استثناء، وقد تعزز هذا الوصف منذ أحرق البوعزيزي نفسه. هذه محاولة لتفسير الاستثناء:

&العامل الأول للاستثناء جغرافي، فالأمكنة تصنع القوانين. المغرب بعيد عن الشر الأوسط ولله الحمد. بعيد عن القلاقل. المغرب محمي بالبحر من شماله وغربه. البحر نافع وغير ضار مثل البشر. في الجنوب هناك جدار أمني غير قابل للاختراق وفي الشرق الحدود مع الجزائر مغلقة. موقع المغرب على الخريطة ثروة في حد ذاته، مصدر قوة اقتصادية لا تقدر بثمن، يملك المغرب حسب بول باسكون "قدرا جيوسياسيا وموقعا خارقا للعادة في البحر الأبيض المتوسط" لماذا؟ يجيب باسكون - وهو أب السوسيولوجيا المغربية إلى جانب عبد الكبير الخطيبي - ومن طلبته عبد الله ساعف ومحمد الناجي ومحمد الطوزي – "المغرب أكثر بلدان هذا البحر ريا ومطرا وأكثرها أراضي صالحة للزراعة، مع غياب فترات البرد الكبرى...".&

للمغربي طبع ومزاج مثل مناخ البلد، لديه مزاج فلاحي صبور. ينعكس المناخ المعتدل والغطاء النباتي ومزاج البشر على الاقتصاد. الفلاحة صمام أمان ضد البؤس وتمرد المعدة. لا مكان للجوع في المغرب. حتى في سنة الجفاف لا مكان للجوع. وليس صدفة أن الطبخ المغربي صار عالميا.&

قبل الأفق السياسي يطالب الجمهور بأفق اقتصادي. لذلك قدست السياسات العمومية المغربية البوادي. يوجد الرزق في الحقل فلزم الالتصاق به. راكم الاستقرار معرفة الفلاحين بتقنيات الحرث والزرع، وراكم الاستقرار بالأرض الاستقرار السياسي. مجتمع زراعي مستقر لديه ما يخاف عليه. لذا يفضل التسويات. ضمنت قلة السكان وشساعة الارض تخفيض منسوب الاحتكاكات والصدامات لحد الصفر أحيانا. وقد عملت الدولة على حماية الريف من البؤس، مثلا في المغرب تسعة ملايين هكتار غابات. نظريا يمنع فيها الرعي والحطب والحرث والقطف. لكن فعليا فالسكان يستفيدون منها. وقد زادت مساحة الغابات ب 116ألف هكتار في 2015 لأن الدولة تشجر الأراضي لحمايتها من التعرية.

&الفلاح معتز بحقله ولا يريد تدخلا من أحد. لذا لا ينتظر المغربي الكثر من السلطة، من الدولة. وهكذا تعلم الناس حل مشاكلهم بأنفسهم. نموا ثقافة الاحتياط للأيام ولا ينتظرون الكثير من السلطة "المخزن". هذه ثقافة مفيدة علمها المغاربة في المغرب غير النافع لأولادهم وتفيدهم حيثما حلوا وارتحلوا.&

لقد افرز الحقل الديمقراطية الريفية المغربية، في المدن المغربية لمسة ريفية لذا تتجول فيها الحمير المحملة بالخضر. حتى في كوميديا التلفزيون المغربي لمسة ريفية. لمسة؟ أكثر. جل الجنود والبوليس أبناء مزارعين، التدين المغربي متأثر بالاقتصاد الفلاحي، وقد تعود المؤرخون تفسير الفروق بين المجتمعات بالبيئة الطبيعية. يظهر هذا في التدين المغربي. يوجد فرق بين مفتي ولد في صحراء شاسعة تشهد عواصف رملية ومفتي ولد في حقل متعدد الأشجار ومسيّج يفصل السياج بين حقل الأنا وحقل الغير... يجب ألا تعبر الفتوى السياج. وقد تعمّق هذا في وعي الأفراد.

&لقد عرف المغرب موجات متعاقبة من الغزو والهجرات جعلت ساكنته – الامازيغية العربية الأفريقية - متنوعة متعايشة وبالأساس متجانسة دينية. ترسخ المذهب المالكي منذ ألف عام وقد وفر هذا التجانس عمقا أفريقيا للمغرب. تأكيدا لأهمية التجانس الديني وخطر الاختلاف يقول سيريل بيرت في كتابه "علم نفس الديني أن "الحظيرة التي تضم حية ونمرا وفيلا وزنبورا لا يمكنها أن تعمل متحدة كقطيع من الجاموس أو الذئاب". وقد عمل الصلحاء والأولياء على ترسيخ هذا التجانس. للأولياء تأمين إلهي ضد الخوف والحزن، قال تعالى "ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون"، وهذا تامين حتى للدولة.

&يبدو لكم هذا فضفاضا؟ طيب. إليكم تفسير واقعي: الدستور الذي تصادق عليه الزوايا يثبت على الارض. إليكم تفسير تاريخي وسوسيولوجي لهذا الكلام. يقول العروي "هذه الحركة التعبدية التصوفية... هي التي جعلت من الاسلام عقيدة قومية، متأصلة في البنية الاجتماعية وفي السلوك الفردي، تقوى بقوة الدولة دون أن تضمر بضعفها وانحلالها. كلما أحذقت المخاطر بالمغرب، وأشرف على التفسخ والذوبان في كيان سياسي آخر، انتعشت الحركة الصوفية وأنقذته وجعلته يستمر كمجتمع متميز قادر في أية لحظة على أن يكون قاعدة لدولة مستجدة".

&هذه القاعدة ضرورية، وقديما اشترط أرسطو في الدولة أن تتوفر على عناصر الاكتفاء الذاتي وهذا متوفر في المغرب. توجد دولة لها عمود فقري لم يسحق قط. مثلا لم يخضع للمغرب للدولة العثمانية واستعمرت فرنسا المغرب 44 سنة بينما خضعت الجزائر للعثمانيين عدة قرون واستعمرتها فرنسا 132 سنة. النتيجة هي بقاء العمود الفقري، يقول العروي "يملك الحكم قاعدة اجتماعية وموارد خاصة به، ويملك المجتمع بنية أو بنى سياسية خاصة به. على هذا التقاسم تم التعايش والاستقرار رغم ما تحفل به الأخبار من قلاقل وتحرشات".&

على الأرض تدبر السلطة هذه التحرشات بحذر، تعتمد على تدبير مكروسكوبي للمجال. فهناك مقدم (عون سلطة ميداني في منطقة يعيش فيها) يقوم بجولة صباحية في المنطقة التي يتولاها وغالبا ما يسجل تحولات في العقار. يجلس في بعض المقاهي ليصغي لما يدور. هو رجل ميدان ليس لديه وقت عمل محدد أو مكتب. إنه في الميدان. يمكن هذا العون وزارة الداخلية من جهاز مستيقظ منتبه سبعة أيام على سبعة.

&كيف يتم اختيار عون سلطة؟&

كلما كان تعليمه منخفضا كان قريبا للعامة يفهم الشعب بسهولة. وقد كشف وزير الداخلية أن العديد من الدول تحاول استنساخ التجربة المغربية في ما يتعلق بـ"المقدمين والشيوخ"، الذين يعدون أعين وزارة الداخلية على سائر التراب المغربي. أوضح الوزير أن "30 في المائة من هؤلاء الأعوان تجاوزوا 60 سنة، ويتم الاحتفاظ بهم نظرا للخبرة والتجربة التي اكتسبوها". خبرة المراقبة لا ثمن لها.

&يوفر هؤلاء الأعوان معلومات فورية للسلطة لتدير المجال، فمثلا حين يحتل الباعة المتجولون فضاء يخبر عون السلطة بذلك ويخاطب التجار ليعلمهم أن السلطة قادمة ومن الأفضل أن يخلوا المكان. ونادرا ما يأتي الشرطي ويصفع البائع المتجول، بل قد يرجوه أن يخلي المكان لأن الشرطي مأمور ويقول للبائع المتجول "أرجوك لا تسبب لي مشاكل مع الضابط". هكذا يصل الشرطي والبائع إلى تسوية. آخر مثال للتسوية اعترض شاب موكب الملك محمد السادس فتساءل صحافي مصري "لماذا لم يطلق حراس الملك الرصاص على الشاب؟".

&لا داعي للرصاص في المغرب، هناك حيل أفضل وقد وصف محمد الساسي - الذي أفنى عمره في المعارضة سالما - ممارسات السلطوية في المغرب بأنها "استبداد متنور" بقفازات حريرية بيضاء تغطي يدا حديدية وأضاف الساسي أن "السلطوية كل مرة تتلون وتتموقع حسب ما تُمليه المصلحة".&

توجد مصلحة البلد في التوافقات، وهذا منهج تتبناه النقابات التي تعالج كل مصيبة بمنطق "إيجاد مخرج استثنائي في إطار التوافق وهدم الفجوة ". وقد سبق للحسن الثاني أن قال "إن التراضي، حتى وإن كان فيه ما يبخس طرفا من الأطراف بعض حقه، هو خير من أي نزاع" كان هذا نهج الملك الحسن الثاني وليس نهج القذافي وصدام. وحين قلت لعراقي أن المغرب عرف سياسيا اعتقال خمسة آلاف شخص ومقتل حوالي مائتين في أربعين سنة من حكم الحسن الثاني أجابني "القمع المغربي شوكولاطة".&

نتيجة الشوكولاطة: ها قد مرت خمس سنوات على حركة عشرين فبراير 2011. لا متظاهرات كبيرة في الشارع لكن المجتمع يطالب بالقضاء على اللاعدالة التوزيعية لثمار التطور خاصة وأن نسبة النمو زادت عن أربعة في المائة طيلة العشر سنوات الماضية. في انتظار تحقق هذ الطلب فالملك محمد السادس يلتقط صور سيلفي مع الشباب في الشارع ورئيس الوزراء يمنح الميكروفون لشاب غاضب ليقدم له دليلا على فساده.