&عاطف الغمري
ما هي الرؤية الاستراتيجية لإدارة أوباما، تجاه الشرق الأوسط في إطار الاستراتيجية الأمريكية العالمية الممتدة إلى آسيا من ناحية، وأوروبا من الناحية الأخرى؟.
خبراء أمريكيون يتفقون على أن معظم وقت أوباما مع مستشاريه للأمن القومي، يقضيه في بحث كيفية العمل على تقليص الدور الأمريكي في الشرق الأوسط، وحتى يمكنه التركيز على الأولوية الاستراتيجية لآسيا، مع الأخذ في الحسبان أن هذا التوجه، سينتج عنه ردود فعل، على المنطقتين: الشرق الأوسط، وأوروبا. وهي مناطق تحالفات ومصالح وصداقات تقليدية.
وكان أوباما قد شرح أولوية آسيا باستخدام تعبير «محورية آسيا»، وذلك منذ اتجه إلى التركيز على ترسيخ ودعم التواجد الاستراتيجي الأمريكي في آسيا استكمالاً لما كانت قد صرحت به هيلارى كلينتون أثناء توليها وزارة الخارجية، من أن هذه المنطقة من العالم - تقصد آسيا ستكون قاطرة السياسات العالمية في السنوات القادمة، في إشارة إلى الصين، وبقية الدول الصاعدة هناك.
وبالنسبة للشرق الأوسط. كان هناك محللون اعتبروا انتقادات أوباما - في حواره مع مجلة «أتلانتيك» - لدول حليفة في المنطقة، مؤشراً على هذه التوجهات، وأيضاً ما وصفت به صحف غربية - منها «الفاينانشال تايمز» - اتفاقه مع إيران، بأنه جزء من سياسته، تعديل الأولويات الاستراتيجية، وأن أوباما أراد خلق توازن للقوى في المنطقة بين إيران، والدول العربية، غافلاً بذلك عن تمدد النفوذ الإيراني في دول خارج الحدود، مثل العراق، وسوريا، ولبنان، واليمن.
كما وصفت صحف غربية اتفاقه مع إيران بأنه يمثل تحولاً في سياسة توازن القوى في المنطقة. ومن الذين حللوا هذا التحول، ماكس بوت، وهو من أبرز المؤرخين العسكريين، ومحللي السياسة الخارجية، في مقال نشر بصحيفة «وول ستريت جورنال»، وقال إن إدارة أوباما تلتزم الصمت بدرجة كبيرة، تجاه فرض إيران قبضتها في عدة دول عربية.
ووصفت سياسته الحالية أيضا، بأنها توجه لإقامة حاجز يفصل بين العرب وإيران، لكنه يميل ناحية إيران، وأن ما يبدو عليه أوباما من قلة الوضوح، هدفه الإبقاء على علاقاته مع الدول العربية المتخوفة من تقاربه مع إيران.
كما أن واحداً من الخبراء المتخصصين في الشرق الأوسط، وهو ديفيد أرون ميللر الذي كان مساعداً للشرق الأوسط، لأكثر من رئيس أمريكي، قال إن اتفاق أوباما مع إيران، يعطي أولوية قصوى للعلاقات الأمريكية الإيرانية.
نفس التشخيص لإعادة صياغة سياسة أمريكا تجاه الأوضاع في الشرق الأوسط، وخلق توازنات جديدة للقوى، انعكس كذلك على رد الفعل الأوروبي، الذي ردده بكثرة محللون سياسيون في أوروبا، بالقول إن محورية آسيا في استراتيجية أوباما، هي إعادة لترتيب الأولويات، بما يباعد بين أمريكا وأوروبا.
وطبقاً لما ذكره نيكولاس بيرنز السفير الأمريكي السابق في حلف الأطلسي، فإن أوباما كان صديقاً لأوروبا في نواح كثيرة، لكن لا جدال في أن لغته عن محورية آسيا، قد أعطت انطباعاً بأنه لا يركز على أوروبا بصورة كاملة.
ومن المعروف أن أوروبا كانت ومنذ نهاية الحرب العالمية الثانية، خط الدفاع الأمامي، عن العالم الغربي، وتحالف جانبي الأطلسي، وهي قلب الاستراتيجية الأمريكية العالمية.
بالرغم من ذلك، فإن ما تتجه إليه الولايات المتحدة، فيما يتعلق بالشرق الأوسط وأوروبا، ليس إنهاء للتواجد، لكنه للتخفيف من أعبائه المباشرة عليها، بإلقاء العبء الأكبر على دول المنطقتين، طبقاً للمبدأ الذي استنه أوباما في بداية حكمه، والذي قال عنه بالنص إن أمريكا لم تعد تستطيع أن تواجه وحدها التحديات العالمية، أو أن تحل منفردة المشكلات الإقليمية، لكنها تحتاج إلى شركاء يتعاونون معها.
وفي نفس الوقت لا تزال لها في كليهما، مصالح استراتيجية. ففي الشرق الأوسط يظل البترول و«إسرائيل»، مصلحتين استراتيجيتين، فضلاً عن المصالح التجارية والاقتصادية الهائلة.
وفي أوروبا ما زالت القارة تمثل خطاً أمامياً في مواجهة تصاعد قوة روسيا عالمياً، وكذلك ترتيبات أمريكا لتقوية دول في أوروبا الشرقية، ودول الجوار الجغرافي مع روسيا، والتي تعمل أمريكا على دعم أنظمتها المؤيدة للغرب. من ثم يصبح حيوياً عدم التفريط تماماً في الحليف الأوروبي.
وهذا هو نفس ما أشار إليه رالف كاسا، رئيس المنتدى الآسيوي بمركز الدراسات الاستراتيجية والدولية في واشنطن، من أن خطاب أوباما في 28 مايو/أيار 2014، في قاعدة وست بوينت، والذي أكد فيه على عبارة «محورية آسيا»، كان بمثابة رسائل توجه إلى الشعب الأمريكي، وإلى المجتمع الدولي، بأن التزام أمريكا تجاه استراتيجيتها في آسيا، لن يتناقص.












التعليقات