قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

 عادل درويش

 رواية جورج أورويل «1984» (عكس عام النشر 1948) هي رؤية متشائمة للمستقبل والعالم مقسم بين ثلاث قوى عظمى كلها شمولية تسحق الفرد.
هل سيكتب أحد رواية 2016؟
سنة تشاؤم وعمل عزرائيل «أوفرتايم» بين مفكرين وعلماء وفنانين ومبدعين ومفاجآت تلخص في عبارة «كذب الخبراء ولو صدقوا».
في الـ«ديلي تلغراف» البريطانية صور شخصيات ودعها العالم في 2016؛ المعروف منها لقراء «الشرق الأوسط» بطل العالم الأشهر في ملاكمة الوزن الثقيل محمد علي؛ والزعيم الثورجي فيدل كاسترو؛ ورائد الفضاء جون غلين؛ ونانسي ريغان أرملة الزعيم الأميركي الراحل؛ ومطربون كديفيد بوي، وجورج مايكل، وبرينس، وليونارد كوهين.
ومن نجوم هوليوود كيري فيشر (بطلة ستار وورز – حرب النجوم - في دور الأميرة ليا) وفي اليوم التالي لحقت بها أمها الممثلة الاستعراضية ديبي رينولدز بطلة فيلم «الغناء تحت المطر» في الخمسينات؛ وكيرك دوغلاس بطل الفايكينغ، وحصار طروادة، وسبارتاكوس؛ ونجم أفلام الجاسوسية روبرت فون.
صفحة ويكيبيديا «وفيات 2016» نشرت 549 اسمًا لمشاهير رحلوا منذ مطلع العام حتى 30 ديسمبر (كانون الأول) يوم وفاة آلان ويليامز مكتشف جوقة البيتلز.
ليس كل المشاهير الراحلين طيبين أدخلوا البهجة في القلوب كالممثل الكوميدي جين وايلدر؛ وفاتنة العصر الذهبي في هوليوود زازا غابور؛ بل ضموا أشرارًا كالداعشي التونسي أنيس العامري الذي مات برصاص البوليس الإيطالي في محاولة الهرب يومين بعد دهس الناس قتلاً في برلين.
امتلأ العام أيضا بالمآسي.
إرهاب أفراد كاغتيال السفير الروسي في أنقرة، أو تفجير الكنيسة البطرسية في الكاتدرائية المرقسية في القاهرة، والتفجيرات الانتحارية والقنابل في العراق (آخرها بغداد السبت ومصرع 21) واليمن.
وإرهاب جماعي كاستمرار الحرب الأهلية في سوريا واليمن، وعرقلة التخلص من «داعش».
لعام 2016 ضحايا دهستهم عجلات الآلة السياسية المسرعة... كهيلاري كلينتون التي صدقت هولوغرام الصحافة الليبرالية الأميركية وكادت تلمس البيت الأبيض بيديها المرتعشتين؛ والرئيس الفرنسي فرنسوا هولاند الذي أعلن خروجه على المعاش سياسيًا بعد انتهاء رئاسته، والزعيم السابق لحزب المحافظين ديفيد كاميرون الذي حفر قبره السياسي بنفسه بمعول استعاره من زعماء الاتحاد الأوروبي؛ مثله أيضًا رئيس وزراء إيطاليا ماتيو رينزي.
الاثنان سحقهما رفض الشعوب الوضع الراهن وثورتها على عدم التوازن الاجتماعي والسياسي والاقتصادي الذي مثلته العولمة على المستويات القومية والإقليمية والعالمية.
ثورات كتصويت البريطانيين بأكبر أغلبية (مليون و400 ألف صوت فارق) على الخروج من الاتحاد الأوروبي، أو انتخاب دونالد ترمب (أكرر ترمب بلا «ألف») بعكس التوقعات، وفوز تحالف جديد للمشاركة في الثروة في ليتوانيا (امتداد للثورة على سيطرة الاتحاد الأوروبي، فالأمم البلطيقية مثل ليتوانيا وإيستونيا ولاتفيا تعمد الاتحاد الأوروبي الإجهاز على سبل إنتاجها القومي التقليدي في مجالات الزراعة حماية للمزارعين الفرنسيين، بدفع تعويضات لتعطيل المنتجات الزراعية الرخيصة، فارتفعت البطالة وهاجر أكثر من ثلث الأيدي العاملة الشبابية من هذه البلدان إلى بريطانيا وألمانيا والنرويج وفنلندا).
أما رحيل المشاهير، فرغم أنه بشكل يزيد على أي عام آخر، فلا يزال ظاهرة طبيعية خارج تحكم البشر، لكن المفاجآت السياسية العاصفة هي الظاهرة التي سيكرر المؤرخون فحصها عند دراستهم لعام 2016.
والسؤال مفاجآت لمن بالضبط؟
تعريف المفاجأة في قاموس أكسفورد: حدث غير متوقع، أو إحساس بفقدان التوازن بسبب حدث مذهل غير متوقع.
من بالضبط كان يتوقع ماذا ليتلقى المفاجأة؟
كان القائمون على الوسائل التي تخلق الانطباع بأن العالم تسود مجتمعاته ثقافة تعطي الإحساس بالتوازن، يعيشون في فقاعة منعزلة عن الناس والعالم، لكن شفافية زجاج الفقاعة دفعهم لإقناع أنفسهم بأنهم جزيء من العالم لكنهم عجزوا عن سماع إيقاعه أو قياس حرارته. بدت العزلة سواء في الانتخابات الرئاسية الأميركية، أو استفتاء الخروج من الاتحاد الأوروبي، أو استفتاء إيطاليا أو انتخابات ليتوانيا.
في إحدى المناظرات التلفزيونية سخر مايكل غوف، وكان وزير المعارف ثم وزير العدل في حكومة كاميرون، ممن تقدمهم الصحافة وخزانات التفكير على أنهم «خبراء متخصصون» قائلا: إنهم السبب الخفي وراء الأخطاء في استطلاعات الرأي والتوقعات التي تؤدي إلى المفاجآت وخيبة الأمل.
مفاجآت 2016 لم تبدأ منذ 12 شهرا بل قبل ما يزيد على عقد كامل.
الخبراء المتخصصون أنفسهم قدموا النصائح ودراسات الخبرة والاستشارة إلى البنوك وصناديق ائتمان العقارات. استثمارات بنيت على أسس هشة، فبدأت تتهاوى وعجز المقترضون عن دفع الديون وبالتالي الانهيار الاقتصادي الذي بلغ أوجه في 2008 وانتقل من أميركا إلى الشواطئ الشرقية للأطلسي في بريطانيا وبقية أوروبا.
مفاجأة 2016 لنا كمؤرخين أن المؤسسة سواء السياسة أو الطبقة الوسطى التي تتحكم في الرأي العام على جانبي الأطلسي لم تعِ درس انهيار الاستثمارات العقارية وبنوك الإقراض في السنوات المؤدية لأزمة 2008 واستمرت أيضا في الاعتماد على الخبراء أنفسهم وتقديراتهم الخاطئة.
الخبراء نصحوا كاميرون أن الرأي العام معه في استفتاء الاتحاد الأوروبي، الخزانة وبنك إنجلترا المركزي اخترعوا أرقامًا وصدقوها لتخويف الشعب بمجاعة أسطورية لو خرجوا. والحقيقة أن بريطانيا جذبت استثمارات أجنبية تقارب 20 بليون (مليار) دولار في الخمسة أشهر التي أعقبت تصويت الخروج.
سمة الخبراء والمتخصصين المشتركة هي الارتواء من البئر نفسه، أو تفكير الجماعة المشترك group think والمتخصصون في مجال ما يفكرون بعقلية واحدة. الخبراء يعيشون في لندن، بينما المناطق الصناعية خارج العاصمة صوت أغلبها بعكس توقعاتهم.
خذ ظاهرة «الاحتباس الحراري» نظرية افتراضية تقبل التعديل وحتى الإلغاء. لكن سيطرة تفكير الجماعة في شبكات كـ«بي بي سي» و«سي إن إن» تتقبلها كعقيدة الخروج عليها إثم. وإما يتقبل الصحافي الفكرة أو يخشى على رزقه من العزلة لو استجوب فرضية خبير البيئة بأن السيارة والمصانع هما السبب الوحيد للظاهرة.
كان تقدير الخبراء (في فقاعات نيويورك وواشنطن ولوس أنجليس) أن ترمب أسوأ من كلينتون، وفاتهم أن سياسات إدارة شاركت فيها كلينتون خربت بيوت ملايين البسطاء خارج فقاعاتهم بينما لم يشغل ترمب منصبًا سياسيًا أضر بهم. صناع الرأي العام شاركوا الخبراء التقديرات نفسها بلا بذل مجهود في استطلاع حقيقي لآراء الناس البسطاء الذين تدهور مستوى معيشتهم بسبب سياسات هؤلاء الخبراء أنفسهم...
لذا لم يكن 2016 مفاجأة لغالبية الناس بقدر ما فاجأ المؤسسة الحاكمة والخبراء والشبكات الصحافية التي تعيش في عزلة عن العالم.