قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

 يوسف الديني

ليس هذا المقال من قبيل المديح بل هو استشراف لمحصلة مواقف سياسية كبرى خاضتها السعودية في السنوات الأخيرة على غير المألوف عكست دورها الكبير في المنطقة، وربما كان من المهم الإشارة إلى هذه المخاضات العسيرة للتأكيد على أهمية القادم في ظل تحولات سياسية واقتصادية كبرى.


علينا ألا نشك أن جزءًا من قوة السعودية التي تعكس استقرارها هو قيامها بإطلاق عاصفة الحزم لتصحيح الأوضاع المتردية في اليمن بعد التدخل الإيراني السافر عبر ذراعه هناك أنصار الله الحوثي، الذين أرادوا بتشجيع ودعم المخلوع علي صالح تكرار تجربة الدولة داخل الدولة على طريقة «حزب الله» في لبنان، فردت المملكة وبكل قوة واقتدار بحل لم ترده منفردًا رغم قدرتها، لكي يكتسب شرعية إسلامية ودولية، عبر إنشاء تحالف وائتلاف مكون من 12 دولة، وقامت بشن عملية ردع عسكرية واسعة النطاق لمواجهة التطورات من الإرهاب الحوثي الذي قفز على شرعية الحكومة وأراد تحويل اليمن إلى مستعمرة إيرانية تأتمر بأمر ملالي طهران.
بدت حرب اليمن في البداية مجرد استعادة لشرعية مسلوبة من قبل ميليشيا الحوثي وقوات المخلوع علي صالح، لكن اتضح بعدها أن آثار الأزمة في اليمن قد تلقي بظلالها على الأمن القومي السعودي ومنطقة الخليج، فما كان من الملك سلمان إلا أن تدخل بشكل عاجل وحاسم وأمر بنشر 100 طائرة مقاتلة متطورة (بما في ذلك تايفون يوروفايتر في بريطانيا وترقية تورنادو) إضافة إلى ما يزيد على مائة ألف جندي مدججين بالكثير من الأساطيل البحرية والمدرعات البرية، مما جعل التحالف يقدم أكبر كتلة قوة إسلامية عسكرية منذ عقود، وكانت رسالة واضحة لنظام طهران بأن أمن الخليج بات خطًا أحمر، وأن من شأن العبث بأمن الدول كما حدث في لبنان والعراق أن يؤدي إلى إشعال حروب أهلية طائفية وربما إقليمية.
قوة السعودية تتجاوز سياساتها الاستباقية للحفاظ على فضيلة الأمن والاستقرار في الداخل ومساعدة الدول على تجنب الأزمات الكبرى الاقتصادية والسياسية التي قد تفضي إلى انهيار الدولة، فمع كونها لاعبًا رئيسيًا وفاعلاً في المنطقة إلا أن واحدة من نقاط قوتها هي موقعها الجغرافي، باعتبارها القبلة الدينية لأكثر من مليار مسلم في أنحاء العالم، إضافة إلى كونها بوصلة اقتصادية عالمية للطاقة والنفط والشركات الكبرى والأسواق التنافسية المفتوحة، مما هيأها للاستثمار فقط في توسيع قوتها العسكرية بما يزيد على مائة وخمسين مليار دولار، وطرح سياسة دفاعية جديدة للبلاد عقب تضخم منسوب الإرهاب، سواء كان إرهاب الدولة الذي تمارسه إيران أو إرهاب الجماعات المسلحة السنية والشيعية، ونتذكر أنه قبل عامين فقط احتلت المملكة مرتبة رابع أكبر قوة دفاع وأمن قومي على مستوى الإنفاق العسكري، بما يزيد على ثمانين مليار دولار.
وبدت هذه القوة العسكرية تنتظر لتلعب دورها في استقرار الإقليم مع أول اختبار في مرحلة ما سمي بالربيع العربي، وذلك عندما سعت المعارضة الشيعية في مملكة البحرين للإطاحة بالحكومة في عام 2011 فقامت المملكة بتفعيل دور مجلس التعاون الخليجي، الذي شكك فيه مرارًا، للقيام بدوره وتأمين الوضع الأمني في البحرين والحفاظ على سيادة الدولة.
الاستباقية السعودية على مستوى السياسة الخارجية واحدة من أهم علامات نجاح السياسة الخارجية للمملكة، والتي تمثلت في تقديم حلول سياسية لأزمات المنطقة الكبرى من المصالحة بين دول الخليج، إلى المبادرة اليمنية، إلى الموقف من الأزمة السورية، إلى الملف الأكبر؛ الحرب على الإرهاب. وبالتالي، فإن هدف السعودية المعلن والثابت هو صياغة تصورات وحلول إنقاذ للعبث الجيوسياسي في المنطقة بهدف إعادة استقرارها.
السعودية تملك أوراقًا تفاوضية عالية القيمة، ويكفي أن إعادة الاستقرار لمصر، والمحافظة على استقرار الحالة البحرينية، والقطيعة التشريعية والمجتمعية مع «الإرهاب»، تعزز من قدرة الرياض على طرح أولوية «الاستقرار» في مقابل نزعات الانفصال.
السياسة الاستباقية السعودية الجديدة، هي رسالة ذات مضمون أخلاقي في توقيت استثنائي بهدف تكثيف كل الاعتراضات التي تعاني منها دول الاعتدال في المنطقة، وعلى رأسها السعودية، تجاه قضايا المنطقة وطريقة أداء المجتمع الدولي ومؤسساته من جهة، والقوى المؤثرة فيها من جهة ثانية، وبالطبع على رأسها الولايات المتحدة التي بلغت في مرحلة ما بعد الربيع العربي مستوى جديدًا غير مسبوق.
التحول الجديد الآن هو استبدال فض النزاعات وحل القضايا العربية العالقة والمصيرية على أساس عادل، إلى منطق سياسي جديد وبراغماتي مبني على أسلوب الصفقات والتفاهمات وشرعنة التدخل السيادي للدول، بل والحرب بالوكالة والوقوف ضد إرادة الشعوب.
اختلال توازن القوى في الإقليم لم يكن وليد اليوم بل يعود إلى الحالة السياسية منذ الثورة الإيرانية وإسقاط نظام الشاه؛ لكن انضاف إليه تدخل سيادي بأدوات جديدة وانضاف إليه واقع متردٍ جدًا في دول الربيع العربي وتغير في الهوية السياسية إضافة إلى انهيار البنى المؤسسية للدول وهشاشة اقتصادية مرعبة، وكلها نذر بأن الأمر كما تفهمه السعودية يتعدى مواقف سياسية متصلبة إلى قلق حقيقي تجاه انهيار المنطقة بالكامل.
الحفاظ على مكون الدولة مهمة صعبة وتحتاج إلى تفهم ودعم دولي، وفي نفس الوقت بحاجة إلى فهم المكونات السياسية لا سيما المعارضة لفهم ما سيحدث حال انهيار الدولة، هذا الفهم والتفهم غاب كما رأينا في مواقع كثيرة من دول ما بعد الربيع العربي، وقد شهدنا ما حدث من انهيارات وانكسارات منذ انطلاقة شرارة البوعزيزي في دول كانت تظن أنها متماسكة على مستوى الاستقرار السياسي والاقتصادي.
التحديات في 2017 كبيرة ومتعددة، فعلى مستوى المعادلة الإقليمية وتدخلات المجتمع الدولي يبدو أنه عام التنازلات، فهناك حالة من الانسداد السياسي تتخلق ببطء في الأفق، الاتفاق الإيراني الأميركي على المحك بعد قدوم ترامب، صحيح أنه لا يمكن تصور إلغائه بسهولة لكن ثمة أثمانًا كبيرة وباهظة على نظام طهران دفعها، يطل علينا العام وما زالت دول الاعتدال العربي غير راضية عن السلوك الأميركي، لا سيما بعد وقع الخرائب التي خلفتها إدارة أوباما، يبدو ترامب محاصرًا بقائمة طويلة من الملفات العالقة التي تنتظر الحسم، بدءًا من الملف الفلسطيني – الإسرائيلي، وليس انتهاء بتحديد أولويته في المنطقة التي عانت من ازدواجية شديدة: الإبقاء على بشار الأسد خوفًا من انهيار سوريا، والسكوت عن تمدد الإرهاب بشقيه السني والشيعي ومحاولتهما تقويض بناء الدولة في أكثر من دولة، وليس أخيرًا مواجهة اللاعب الجديد في المنطقة متمثلاً في روسيا بوتين.
بالنسبة لدول الربيع العربي هو عام دفع الثمن بامتياز، فالهويات الصغيرة المتصارعة التي ظهرت للسطح بعد سقوط مظلة الدولة التي كان يحتمي تحتها الجميع بدأت في طريقها إلى التضخم والتحول إلى مشاريع معارضة ودول داخل الدولة ذاتها، الثوار القادمون من خلفية جماعات مسلحة لا يمكن أن يتحولوا إلى حزب سياسي، في أكثر من مثال، رأينا ذلك في ليبيا، وهناك مخاوف من تكرر الوضع في سوريا.
الخطير اليوم في الإقليم المحيط بنا هو صعود منطق الميليشيات المسلحة على منطق الدولة، وجزء من مساهمة الخطاب السياسي في هذا الانهيار والانحدار هو عدم تفهم فضيلة الاستقرار التي يجب أن تكون أولويات النخب السياسية في حراكها.