قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

 سليمان جودة

 كان الشيخ محمد الغزالي، يرحمه الله، خفيف الدم في كتاباته، وكان حاضر النكتة في كثير منها، وقد جاءه شاب ذات يوم يشكو من أن عفريتًا يركبه، ومن أنه لا يعرف ماذا عليه أن يفعل مع العفريت، وأنه يريد علاجًا، فكان أن رد عليه الشيخ الغزالي، بما معناه، أنه لا يعرف من ناحيته لماذا تركب العفاريت، المسلمين وحدهم؟!
ذكر الشيخ هذه الواقعة في مقدمة واحد من كُتبه، وبالقياس، فإنني بعد أن فرغت من الاستماع إلى كلمة الرئيس الأميركي دونالد ترمب، يوم تنصيبه، تساءلت بيني وبين نفسي: لماذا يرى الرئيس الأميركي الجديد أن الإرهاب إسلامي فقط؟!.. ولماذا يرى الإرهابيين، حين يراهم، بين المسلمين وحدهم؟!.. ولماذا لا يريد أن يرى أن الإرهاب إرهاب، وأنه لا دين له، وأن الإرهابي يمكن أن يكون مسلمًا، ويمكن بالدرجة ذاتها أن يكون على أية ديانة أخرى؟!
ففي حفل تنصيبه قال إنه سيوحد العالم المتحضر، أو المتمدين، ضد الإرهاب الإسلاموي المتطرف، وإنه سوف يعمل على اقتلاعه من فوق وجه الأرض!
كلام جميل بالطبع، ولا خلاف عليه، لولا أنه يجعل التطرف إسلاميًا، وفقط، وهذا خطأ في الرؤية كبير، لا يجوز السكوت إزاءه، ليس عن رغبة في تبرئة الإسلام، كديانة، من الإرهاب، وحسب، ولكن لأن العالم اعتمد رؤية كهذه فيما مضى من مشوار معركته مع الإرهاب، فلم يصل في النهاية إلى شيء!
إن هذا الموقف من جانب ترمب، يعيد بالضرورة تذكيرنا بما كانت إدارة الرئيس أوباما قد تبنته، يوم إطلاق التحالف الدولي ضد تنظيم داعش، من مدينة جدة، في مارس (آذار) قبل الماضي!
يومها كانت إدارة الرئيس السابق ترى في «داعش» تنظيمًا إرهابيًا، لا بد من مقاومته حتى القضاء عليه، ولم يكن أحد في المنطقة، ولا خارجها، يختلف معها في ذلك، فالخلاف كان فقط حول أن «داعش» ليس هو وحده التنظيم الإرهابي في الشرق الأوسط، لأن هناك تنظيمات وكيانات أخرى في العراق - مثلاً - تمارس إرهابًا كذلك، شأنها شأن «داعش»، وأن الاختلاف بينها جميعًا ليس في النوع، ولكنه في الدرجة!
لا نريد للرئيس الجديد أن يقع في الخطأ نفسه، الذي وقع فيه أوباما، فغادر البيت الأبيض، بينما الإرهاب يعربد في كل مكان، أكثر مما كان وقت أن أطلقت إدارته التحالف الدولي ضده، لا لشيء، إلا لأن الإرهاب كان في حاجة منذ البداية إلى أن يوضع كله في سلة واحدة، أيًا كان نوعه، وأيًا كان مسرحه، وأيًا كان ممارسوه!.. وهو ما لم تفعله الإدارة الأميركية المُغادرة، ولا بد أننا نربأ بالإدارة الجديدة أن تقع فيه!
طبعًا هذا كله كوم، بينما إرهاب إسرائيل ضد أبناء فلسطين في أرضهم المحتلة، كوم آخر تمامًا!
لقد بحثت عن كلمة واحدة في كلمة الرئيس الجديد، أثناء حفل التنصيب، ليس عن إرهاب إسرائيل في الأراضي الفلسطينية المحتلة، فتفاؤلنا لا يصل إلى هذا الحد، وإنما عن الممارسات الإسرائيلية الظالمة هناك. فلم أقع على شيء!..
يظل علينا في الوقت ذاته، أن ننبه إلى أن ما ترتكبه سلطات الاحتلال ضد كل فلسطيني أعزل، هو نوع من الإرهاب، وأن مقاومته واجبة، وأن إدارة الرئيس ترمب إذا كانت جادة حقًا في اقتلاع جذور الإرهاب، على حدّ تعبيره هو في كلمته، فبعض الجذور هناك في أرض محتلة منذ عام 1948.
كان الأمل ولا يزال، أن يلتفت الذين يقولون في الولايات المتحدة، أو في أوروبا، إنهم يقاومون الإرهاب، وإنهم جادون في المعركة معه، إلى أن للإرهاب جذورًا، وأن عذابات كل فلسطيني في أرضه المحتلة، هي من بين هذه الجذور، وأن تجاهل ذلك، عن قصد، أو عن غير قصد، يضع الذين يقاومون الإرهاب، ويلاحقونه، في موضع الذي يصب خارج الكأس، وهو لا يدري!
سوف يمضي ساكن البيت الأبيض الجديد في حربه على الإرهاب، وفق التصور الذي كشف عنه في حفل التنصيب، وسوف يتبين له في آخر المطاف، أن الإرهاب لا يمكن تصنيفه، بحيث يكون هناك نوع منه يحتمل الانتظار، ونوع آخر لا يحتمل، وأنه كله نوع واحد، وأنه عند الحرب عليه، أو بمعنى أكثر دقة، عند التعامل مع أسبابه، لا يتجزأ، وأنه كالكفر ملة واحدة!
وسوف يظل التعويل في هذا الاتجاه على مستشاري ترمب من أبناء منطقتنا، فهؤلاء وحدهم هُم أقدر الناس على إيصال هذا المعنى إليه، لأنهم كأهل مكة أدرى بشعابها.