قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

محمد السلمي

كعادتها لم تكتف إيران بالتعبير عن موقفها الرافض للعملية، بل جعلت من هذه العملية فرصة لتشيطن من خلالها جارتها العراق، وتحاول أن تقدم نفسها في صورة ضحية للأسلحة الكيماوية

مؤخرا نفذت الولايات المتحدة الأميركية عملية عسكرية في سورية، استهدفت قاعدة الشعيرات الجوية التابعة للنظام السوري، قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب إنه أمر بشنِّها بعد ثبوت ارتكاب النظام السوري مجزرة خان شيخون في سورية باستخدام الأسلحة الكيماوية، وأضاف ترمب أن الأسد استخدم غاز السارين لقتل أكبر عدد من المدنيين، كما قال إنه أبلغ عددا من الدول بهذه الضربة، وأن روسيا لم تكن بين هذه الدول، وفي تفسيره لهدف هذه الضربة الصاروخية قال ترمب إنها تستهدف منع انتشار استخدام الأسلحة الكيماوية، داعيا العالم «إلى التوحد لإنهاء إراقة الدماء في سورية».
على أثر هذه الضربة المفاجئة كان الموقف الرسمي في إيران شديد الارتباك، فأخذ النظام الإيراني يدين من وصفهم بـ«الإرهابيين» تارة، ويتّهمهم بالوقوف خلف هذه العملية، زاعما أن القوات السورية ضربت مستودعا للمعارضة كان يحتوي على غازات سامة، وتارة أخرى عندما رأت طهران أن هذا السيناريو غير مقنع لأحد أخذت تطالب بتشكيل لجنة لتقصّي الحقائق، وترجمت مطالبتها هذه برفع طلب إلى الأمم المتحدة لتشكيل هذه اللجنة.
وكعادتها لم تكتف إيران بالتعبير عن موقفها الرافض للعملية، بل جعلت من هذه العملية فرصة لتشيطن من خلالها جارتها العراق، وتحاول أن تقدم نفسها في صورة ضحية للأسلحة الكيماوية عن طريق استدعاء التاريخ ومرحلة الحرب العراقية الإيرانية من 1980 إلى 1988، وهي بذلك تسعى إلى تبرئة نفسها من أي تورّط محتمَل لها في تزويد نظام بشار الأسد بالأسلحة الكيماوية، أو تأييد استخدامه لهذه الأسلحة ضد المعارضة.
وفي دلالة أخرى على خوف إيران من ظهورها في الصورة، سواء بالمسؤولية عن الضربة الكيماوية، أو بالمعارضة المباشرة والفردية للضربة الصاروخية الأميركية، اختفت طهران خلف موسكو، بأن خرجا معا ببيان مشترك للبلدين أدانا فيه العملية العسكرية الأميركية ضد نظام الأسد، وهدَّدا فيه بالتصدي لأي عمليات عسكرية أميركية أخرى تتبع هذه العملية، وقال البيان إن هذا خط أحمر ينبغي أن لا تتجاوزه واشنطن... فكان الرد الأميركي واضحا وسريعا، إذ صرحت واشنطن باحتمالية وإمكانية شن عمليات عسكرية أخرى ضد بشار الأسد وأتباعه.
مخاوف إيران متعددة في هذا الشأن، فلا تخاف على بشار ونظامه فحسب، بل تخاف أيضا -وأكثر- على عناصرها هناك من الحرس الثوري الإيراني، ومن المرتزقة الذين يقاتلون على الأراضي السورية لحساب إيران، الذين قد تستهدفهم العمليات العسكرية المحتمَلة.
والأمر في هذا الصدد ليس مرتبطا ارتباطا مكانيا بسورية كبلد لإيران فيه نفوذ كبير، بل يرتبط بالمخطط الإيراني والمشروع الإيراني في المنطقة ككل، إذ تخشى إيران على مشروعها في المنطقة في مواجهة توجّهات الإدارة الأميركية الجديدة بقيادة دونالد ترمب، خصوصا بعد الحديث عن تسريبات تدور حول تنسيق بين الولايات المتحدة والعراق، بشأن تحجيم الوجود الإيراني على الساحة العراقية.
وتمتدّ مخاوف النظام الإيراني الحالية إلى الأراضي اللبنانية، حيث يوجد حزب الله المرتبط ارتباطا وثيقا بطهران على جميع المستويات، سواء العسكري أو الاقتصادي أو السياسي، فالضربات الأميركية، وتحالفات واشنطن مع دول المنطقة، إذا وُضعتا جنبا إلى جنب مع الخلافات بين واشنطن وطهران، فإن النتيجة ستكون -بكل تأكيد- مقلقة لإيران، وداعية إلى توقّع كثير ومزيد من الخسائر السياسية والإستراتيجية والعسكرية لإيران في المنطقة، بالإضافة إلى خسارتها عددا غير قليل من حلفائها.
إن التصريحات الأخيرة التي أطلقها المرشد الأعلى في إيران ضد دول المنطقة والقوى الغربية تكشف مدى خشية إيران من سيناريوهات مستقبلية مفاجئة لطهران، فكثير من الملفات في المنطقة بدأت تتجه نحو سيناريوهات غير محبذة من قبل النظام الإيراني، علاوة على حراك للمعارضة الإيرانية في الخارج، وتصعيد أمني وسياسي كبيرين في مناطق الشعوب غير الفارسية، وبخاصة في كردستان وبلوشستان. فهل ستراجع طهران إستراتيجياتها الداخلية والخارجية، والسؤال هنا: هل سينعكس هذا الحراك على الأرض، وبخاصة مع اقتراب الانتخابات الرئاسية في البلاد؟