&عبد الرحمان شحشي
&
أصبح النظام الذي أرسى دعائمه الملك يشكل استثناءا للقاعدة التي غدت عليها جل الأنظمة، حيث سادت موجة من الانقلاب العسكرية في مجموعة من الدول.
وهكذا حدث انقلاب عسكري بمصر سنة 1952 قاده الضباط الأحرار، كما وقع آخر بسوريا سنة 1962، كما أطيح بالأسرة الملكية بليبيا على إثر انقلاب قادة القدافي سنة 1969، أما في العراق فبعد أن أطيح بالنظام السابق استبد الجنرال عبد الكريم قاسم بالسلطة وبدأ في تصفية أصدقاء الثورة، لهذا انقلب عليه الجيش وتم إعدامه رفقة المهداوي داخل وزارة الدفاع، أما الجزائر فقد بقيت الإنقلابات الدورية داخل الجيش نشيطة منذ حصول الاستقلال؛ حيث انقلب أصدقاء الثورة التحريرية الواحد ضد الآخر؛ وكانت البداية بانقلاب ضد ابن بلة بتاريخ 19 يونيه سنة 1961 قاده رفيق الثورة والسجن بومدين؛ ووقع انقلاب العسكر كذلك بموريتانيا عدة مرات .
أولا: "الحاجب" قبل "الصخيرات" 14 ماي 1971.
قبل التفكير في مؤامرة الصخيرات كانت نوايا الجنرال المذبوح والكولونيل اعبابو متجهة إلى نصب كمين للموكب الملكي على طريق فاس –الحاجب مرورا بعين شكاك ، حيث كان سيقام بالحاجب حفل للمناورات المنظمة على صعيد القوات المسلحة الملكية، بمناسبة ذكرى إنشاء القوات المسلحة، وكانت الحاجب تعد مكانا مثاليا اختاره الإخوان اعبابو نظرا لموقعه التكتيكي، أما فرقة الشاحنات - (بلاستون)- فقد كانت مهمتها هي محاصرة المنصة الرسمية بالحاجب والقضاء على أية مقاومة محتملة، والحال أن تغييرا طارئا في اللحظة الأخيرة أجبر المتآمرين على إلغاء العملية؛ وذلك على إثر طلب جلالة الملك من المذبوح بإلحاح إرسال طائرتين مروحيتين في مقدمة الموكب لرصد أي تحرك غير عادي على طول مسار الموكب؛ وألح على مراقبة الطريق وجنباتها على الأخص.
فوتت الصفة الفرصة على المتآمرين وأعيد ثلاميذ مدرسة "أهرمومو" إلى ثكنتهم التي أصبحت تحمل منذ سمة 1958 اسم "المدرسة العسكرية الملكية"؛ وقد كان ثلاميذ المدرسة، المدكورة، قد بدأوا التداريب منذ مارس 1971 وفق برنامج تداريب مكثفة في الرماية وتوزعوا إلى خمسة عشر فرقة "كوموندو" تضم كل واحدة ثلاثة وأربعين شخصا مجهزين بأسلحة فردية.
ثانيا : مؤامرة في الأرض –الصخيرات 10 يوليوز 1971
سبق للملك الحسن الثاني وبمناسبة تدشينه للأكادمية الملكية للشرطة بمكناس بتاريخ 11 مارس 1966 أن نوه بوزيره في الداخلية الجنرال محمد أوفقير كما شكر بالمناسبة الكومندار أحمد الدليمي على ما قام به من أعمال في إطار تهدئة الشارع السياسي المغربي سنة 1965؛ إثر أحدات الدار البيضاء؛ معتبرا في خطابه أن هؤلاء "لا مطمح سياسي لهم" نشكرهم " على أعمالهم وباسم الملايين من المغاربة رمز وحدة البلاد وملكها... يشجعهم ويشجع هؤلاء العاملين وأمثالهم... لنقي المغرب شر الفتن".
كما أن الملك بالرغم من تورط مساعديه في قضية الشهيد المهدي بن بركة بقي متشبتا بهما مدافعا عنهما؛ بيد أن الجنرال والكومندار كانا كلما ازدادت ثقة الملك بهما كلما ازدادا اطمئنانا على مخططهما الإنقلابي؛ حيث سيقع الانقلاب بصورة لم يكن يتوقعها غيرهما. لقد اتخذ الإنقلاب من عنصري المفاجئة وسرعة التنفيذ طابعا دمويا في الصخيرات، حيث صرح الملك في الثانية بعد الزوال من صيف يوليوز 1971 قائلا: "لقد مرت الأمور بصورة لم تكن في الحسبان أبدا لأني لم يخطر بخلدي أن مدير بلاطي العسكري الجنرال محمد المذبوح هو الذي قام بالعملية بأجمعها".
وأمام فشل انقلاب الصخيرات في الإطاحة بالملك صرح منتقدا ومستهزءا بهؤلاء المتآمرين قائلا بأن "تدبير هذه العمليات تم على الطريقة الليبية، أي الطريقة الصبيانية التي تدل على التخلف بكل ما في الكلمة من معنى...".
وكدليل على سوء تدبير هذه المحاولة الإنقلابية الفاشلة استدل الملك على احتلال المتمردين لدار الإذاعة بالرباط ونسيانهم "لدار إذاعة طنجة ومركز البريد، كما احتلوا مقر قيادة القوات المسلحة ونسوا مقر إدارة الأمن الوطني؛ وهذه ثغرات تدل على سوء التدبير .
لقد اعتبر الملك محاولة انقلاب 1971 ليس إلا "حادثة سير" وخطر من "مخاطر المهنة الملكية"؛ وبقي متشبثا بموقفه في عدم تغيير سياسته قائلا: إنه من المؤكد أنني لن أغير سياستي ... فإذا ما غيرت هذه السياسة فستكون عاقبتها وخيمة". وأمام هذا التأكيد الملكي سيعاود الجيش الكرَّة سنة 1972 في اعتراض رهيب للطائر ة الملكية .
ثالثا: مؤامرة في الجو - اعتراض طائرة البوينغ 16 غشت 1972.
بتاريخ 16 غشت 1972 أصدرت وزارة الخارجية المغربية بلاغا بشأن الإعتداء على الطائرة الملكية "البوينغ التابعة للخطوط الجوية الملكية التي كانت تقل صاحب الجلالة الملك الحسن الثاني، نصره الله من باريس عبر برشلونة، قد هوجمت فوق سماء تطوان من طرف إحدى طائرات الخفر، وقد استخدمت الطائرة المتمردة في هجومها قذائف الروكت والرشاشات ، لكن الطائرة الملكية التي تضررت كثيرا تمكنت من النزول في مطار الرباط - سلا ولم يصب صاحب الجلالة بأي سوء... وبعد وقت وجيز عادت باقي طائرات الخفر المتمردة لتهاجم وتقنبل بناية المطار بعد أن غادرها جلالة الملك للإلتحاق بالقصر الملكي... وعادت الحالة إلى طبيعتها".
ثلاثة أيام بعد هذا الحادث اجتمع الملك بالضباط السامين للقوات المسلحة الملكية ليبلغهم موقفه من الجيش والخطوات المنهجية التي سيكون بناءا على ضوئها تعامله معهم في المستقبل.
وبعد أن أبدى الملك استنكاره لهذه الأعمال قائلا:"في ظرف ثلاثة عشر شهرا قامت القوات المسلحة الملكية بعمليات أقل ما يمكن أن يقال فيها أو عنها عمليات لا تشرف أبدا...
أولا: لأن عملياتها كانت قائمة على الخيانة.
ثانيا: كانت قائمة على محاربة أناس عزل. "
ليضيف؛ بأن الشارع المغربي أصبح متنكرا للجيش وتصرفاته الطائشة؛ لأن الناس أصبح يقولون ليس لدينا ما نعمل بهذا الجيش.
والحسن الثاني في تصريحاته هاته سيعلن الطلاق النهائي مع الجيش؛ وبالخصوص أن الهزات العنيفة التي كادت تعجل بحتفه كان مصدرها المقربين من المعسكر؛ لهذا يقول: "من العجب العجاب أن هذه المحاولات كانت دائما منبعها ومبعثها من هم أقرب الناس أولئك الأشخاص الذين كانوا يدعون بالإخلاص والاستماتة في سبيل شخصي وفي سبيل بلدي...".
وهنا سيشير الملك إلى ما تطرقنا إليه، سابقا، إثر حوادث 1965 بالدار البيضاء والملابسات التي أحاطت باختطاف المهدي بن بركة؛ قائلا : "أوفقير... أعرفه معرفة ضرورية لأنني دافعت عنه وحميته أكثر من اللازم ، وأكثر من هذا جمدت علاقاتي مع فرنسا من أجله... والده هو الذي سلم عبد الكريم للفرنسيين وجده كان يعمل مع الروكي، وكانت كلها أسرة للخيانة أبا عن جد...
لم يكن أوفقير يأمل أو يطمح في تأسيس جمهورية... ولكن أوفقير كان ينوي القيام بعملية لا تحتاج إلى شهود، ولاتترك وراءها أثرا؛ وإذاك يبادر بالتوجه إلى يفرن ويأتي بولي العهد وينصبه ملكا ويعلن حالة الطوارئ، ولاسيما وأن لا وجود للبرلمان، ويأخذ الأمور بين يديه ويذهب إلى القصر باكيا منتحبا مدعيا أنه سيظل في خدمة الملك الجديد؛ كما فعل مع الأب والجد سيفعل مع الحفيد، وبهذه الوسيلة، وبما أن الملك لا يتجاوز التاسعة من العمر يتمكن وبصورة مشروعة؛ حيث أنه باسم محمد السادس وليس باسمه سيسفك الدماء... لأنه حقير وذليل...".
وبعد أن استعرض الملك كل هذه الوقائع أقدم مباشرة بإجراءات حاسمة واستعجالية؛ حيث وقع تقزيم وزارة الدفاع إلى مجرد إدارة للدفاع تابعة إليه مباشرة باعتباره القائد الأعلى للقوات المسلحة الملكية، كما تم إلغاء منصبي وزير الدفاع والماجور العام المساعد، مؤكدا بأن لا تساهل مع الخيانة والتهور؛ قائلا: "والآن فأنا شخصيا أمام عملية إنقاد الجيش وإنقاد الأمة....والأثر الذي سأخلفه في التاريخ ليس غير انعكاس لسمعة الجيش والأمة؛ ولهذا قررت... أن ألغي منصب وزير الدفاع وكذا منصب الماجور العام المساعد؛ على أن وزارة الدفاع ستكون على شكل إدارة أدير شؤونها بنفسي؛ وبمعونة الكاتب العام... تتكلف بالمسائل الإدارية..."













التعليقات