: آخر تحديث

بوش الأول والثاني بين الكويت والعراق

قرائنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

  عبد الرحمن شلقم

 

رحل الرئيس الأميركي جورج بوش الأب إلى الدار الآخرة، بعد رحلة طويلة وكثيفة في دنيا الحياة. عسكري طيار مقاتل في الحرب العالمية الثانية. تقابل مع الموت مرات في بيرل هاربر ونجا بأعجوبة، كانت تلك تجربة مؤبدة في الروح والجسد والعقل. بدأت الحرب في أوروبا وسيقت إليها الولايات المتحدة بدهاء ونستون تشرشل، الذي جعل من هوس وجنون أدولف هتلر ناقوساً يقرع رؤوس الساسة الأميركيين، الذين يرون في الديمقراطية التوأم للحياة. الرئيس روزفلت تجمعت فيه روح القيادة وحسابات السياسة، وجرأة اتخاذ القرار. ونجح ونستون تشرشل في صناعة كيمياء تواصل معه، وظف وشائج العلاقة المتجذرة بين بريطانيا والولايات المتحدة لإقناعه بدخول الحرب إلى جانب الحلفاء. اليابان البعيدة عن أوروبا، والقريبة نسبياً من أميركا، دخلت الحرب مع تجمع المحور الذي تقوده ألمانيا، وصارت أميركا في حرب مع اليابان. جورج بوش مقاتلاً في الطيران الأميركي، ولج باب التاريخ من السماء المشتعلة. 
بعد الانتصار في الحرب بسنوات، انتقل بوش إلى ميدان حرب أخرى، وهي «السياسة الباردة»، وإن سميت حرب بين الأقطاب الجديدة: الاتحاد السوفياتي والدول الدائرة في فلكه، والولايات المتحدة ومعها الكتلة الأوروبية الغربية. تولى قيادة وكالة المخابرات المركزية الأميركية، كهف التخطيط والتحليل ومعمل القرار التكتيكي والاستراتيجي. أُضيفت إلى عقل الرجل قوة أخرى. صار المقاتل العسكري الطائر مقاتلاً سياسياً في ميدان فوق الأرض، وسط فوهات سرية وبعضها علني، أعطى وأخذ. وكالة الاستخبارات الأميركية هي غرفة العمليات الشاملة، ولها حواس متعددة في داخل البلاد وخارجها؛ خاصة في خضم الحرب الباردة. 


في الحرب الباردة تقاتلت العقول، هناك من يحمل دائماً مسبحة المؤامرة؛ لكن السياسة تتداخل فيها المسبحة مع حبات «التخطيط» الساهر على مصلحة الوطن، بجلب الفوائد أو دفع الأضرار. ذلك هو ببساطة «ديالكتيك» الحياة التي يسبح في بحرها، ويمشي فوق أديمها البشر، سياسياً وأمنياً ومادياً.
انتقل بوش العسكري المقاتل، ورئيس كهف الأمن الأميركي، إلى موقع القرار السياسي الأميركي، نائباً لرئيس أميركي انتقل من أمام كاميرات السينما إلى رحاب القيادة السياسة للدولة الأقوى على وجه الأرض.
الرئيس رونالد ريغان الذي غير موازين الصراع السياسي والعسكري في العالم، أرهق الاتحاد السوفياتي غريم الغرب في معركة سباق التسلح والحرب الاقتصادية، وأعاد تقديم شخصية الزعامة الدولية لعالم يتغير. ترنح الاتحاد السوفياتي وعلى كاهله أثقال الآيديولوجيا والتآكل الاقتصادي والاحتقان السياسي. دخل جورج بوش خضماً آخر بمعدات يحملها في رأسه من الحرب العالمية الثانية، ومن كهف الأسرار الملغومة، وكالة المخابرات المركزية الأميركية. أخذ من البيت الأبيض كل الألوان، ما ظهر منها وما لم يظهر. لم يغادر البيت الأبيض الذي يسكنه العالم القريب والبعيد فوق ملفات. انتقل من غرفة نائب الرئيس إلى المكتب البيضاوي؛ حيث حمل معه كل ما كانه عبر سنين الزمان والرحاب الجغرافية.
عاد محارباً؛ لكن من موقع آخر، وفي ميدان آسيوي بعيد، في الكويت. صدام حسين غريمه هذه المرة، وليس فوهرر ألمانيا أو إمبراطور اليابان. رئيس دولة عربية يغزو دولة مجاورة مستقلة ذات سيادة، عضواً في الأمم المتحدة، لم تهاجمه أو تحشد قواتها على حدوده. رأى الرئيس المقاتل في الحرب العالمية الثانية أنه هذه المرة أمام العدوين الأقدمين: الألماني والياباني، ولكن في رجل واحد هو صدام حسين. هتلر اجتاح تشيكوسلوفاكيا، هادنه رئيس الوزراء البريطاني آرثر تشمبرلين، وصمت على قضم الفوهرر لأرض دولة صغيرة هي تشيكوسلوفاكيا؛ لكن النازي الذي ضم النمسا عبر استفتاء شعبي زاد نهمه، مستهزئاً بكل أوروبا، وتقدم إلى بولندا. مباشرة أعلنت كل من فرنسا وبريطانيا الحرب عليه. 


هل كانت الكويت لصدام هي بولندا لهتلر؟ حَمَلة مسبحة المؤامرة، رددوا أن صدام استُدرج إلى الكويت بمخطط أميركي. هذا الحديث يذكرني بسيدة عجوز لها بنت واحدة، كل بنات الجيران تزوجن ولم تبق إلا هي التي طالتها العنوسة، كلما سألتها واحدة من جيرانها: هل من «عريس» تقدم للآنسة؟ ترد الأم: «لا والله، مسكينة بنتي، معمول لها عمل»، يعني مسحورة كي يهرب منها الخُطاب، مؤامرة على البنت الطيبة. يبدو أن هتلر وصدام معمول لهما عمل (سحر) الأول بريطاني فرنسي، والثاني أميركي. دخول هتلر بولندا بعد قضم تشيكوسلوفاكيا وضم النمسا كان يعني قراره التهام كل أوروبا، فكان إعلان الحرب عليه من بريطانيا وفرنسا. دخول صدام غازياً للكويت يعني أنه سيلتهم كل الخليج.
هناك في البيت الأبيض كان الرجل المقاتل والأمني والرئيس، وقبله النائب لريغان الجنرال السياسي للحرب الباردة، بكل ما في رأسه من التاريخ وخبرة المعارك المختلفة، اتخذ قرار الحرب على صدام لإخراجه من الكويت، قبل أن يتمدد إلى كل دول الخليج. دُحر صدام من الكويت، ولكنه بقي على رأس العراق وصدره. لماذا لم يُطارَد إلى بغداد وإنهاء نظامه؟ كان المراد أن يبقى فزاعة لإيران. خرج جورج بوش الأب من البيت الأبيض بعد خسارته للانتخابات أمام بيل كلينتون؛ لكنه عاد مرة أخرى إلى المكتب البيضاوي في شخص ابنه جورج بوش الثاني. 
أعادت أحداث سبتمبر (أيلول) فتح ملف لم يُغلق سوى نصفه. الهجوم بطائرات مدنية مخطوفة على أبراج نيويورك وغيرها، قدم نموذجاً غير مسبوق للعمل الإرهابي. هزَّ ذاك الحدث العالم، وغير كثيراً في العقل والقراءة الأميركية لخرائط الأمن والحسابات العسكرية، وقرر جورج بوش الثاني الحرب الشاملة على أفغانستان؛ حيث قيادة «القاعدة»، العقل الذي أرسل الإرهابيين إلى أميركا. 


الظاهرة الإرهابية المرعبة الجديدة، أعادت قراءة مقاييس رسم كل خرائط دول العالم. صدمة نيويورك أشبه بالقيامة الصغرى. كان السؤال في دوائر معامل التفكير السياسي وصنع القرار في واشنطن: هل سيلجأ صدام إلى استخدام أسلوب إرهابي مبتكر للانتقام من الولايات المتحدة، التي أخرجته مهزوماً من الكويت، يتجاوز ما قام به بن لادن؟
عاش العالم تجارب عدة مع الإرهاب، من خطف للطائرات وتفجيرات واغتيالات؛ لكن ما شهدته أبراج نيويورك لم يخطر ببال بشر. الخطاب الإعلامي السياسي العراقي المتوعد والمهدد لأميركا، جعل العراق هدف الضربة الاستباقية. العقول تورث مثلما الأحداث والسياسات. جورج بوش الأول في الكويت والثاني في العراق، والهدف واحد، صدام حسين.

 


عدد التعليقات 1
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
1. تفسير لمجريات الاحداث
حسين - GMT الأربعاء 05 ديسمبر 2018 11:12
تحليل الاستاذ عبد الرحمن شلقم الدبلوماسي الليبي العريق ، يعبر عن وجهة نظر تفسر الاحداث التي آلت اليها في العراق وفي منطقة الخليج والادعاءات الامريكية ... ولكن يا سيد شلقم ، وحضرتك دبلوماسي وسياسي ووزير خارجية ، متابع جيد لما جرى ويجري ، الحاكم العاقل والمدرك للمخاطر التي تحاك ضده او ضد بلده ، ان يعمل على استقطاب شعبه وارضاءه وخدمته بالشكل الصحيح وليس البطش به وقتله وتشريده وادخاله في حروب الهدف منها تدمير البلاد ... وما قام به صدام ، هو ضد مصلحة شعبه ، منذ سيطرة حزبه الحكم ، ولو استغل ذلك لتقديم افضل الخدمات للشعب ومواصلة بناء دولة ، مبتعدا عن التهريجات الاعلامية والتصفيات الجسدية والتهديدات المبطنه ، هنا وهناك ، وتبديد ثرواته ضد مصلحة العراق ،لما استطاعت امريكا او بريطانيا اوغيرها من غزو العراق او تدميره ، مهما كانت الاسباب، ولاندفع الشعب العراقي كله للدفاع عن الوطن ضد الغزو الامريكي ... لهذا ما قام به صدام من اعمال ضد مصلحة شعبه وارادته هي التي جعلت من نظامه هشا ، ظاهره القوة وباطنه الضعف والهشاشة ، استغلت ذلك امريكا وبريطانيا ومن معهما ، في تدمير العراق وسرقة ثرواته ...


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد