قرائنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

محمد بدرالدين زايد

تراجع تمثيل عرب 1948 في الكنيست الحالي 2019 من 13 إلى 10 مقاعد، مقارنة بانتخابات 2015، والأخطر أن ما لا يقل عن 100 ألف عربي صوتوا لأحزاب يمينية متطرفة من إجمالي حوالى 400 ألف ناخب عربي، وبالقطع هذا العدد يشكل نسبة أقل كثيراً من نسبة تمثيل العرب في إسرائيل، التي تبلغ حوالى 20 في المئة من إجمالي السكان، إذ إن نسبة المشاركة العربية في التصويت تقل عن 10 في المئة ممن شاركوا في هذه الانتخابات، أي أنه إذا كانت نسبة التصويت الإسرائيلي نحو 66 في المئة فإن نسبة التصويت العربي لا تزيد كثيراً على ثلث من لهم حق التصويت من عرب إسرائيل أو على الأكثر تحديداً تقل عن نسبة التصويت الإسرائيلي. عموماً، أقل من 50 في المئة من الذين لهم حق التصويت من المكون العربي، جاء هذا التراجع الجديد بعد فشل محاولات توحيد الأحزاب العربية في قائمة واحدة، ودخول هذه الانتخابات في قائمتين، الأولى الجبهة الديموقراطية والحركة العربية للتغيير بزعامة أيمن عودة، وحققت ستة مقاعد، والثانية تحالف التجمع الوطني الديموقراطي والحركة الإسلامية الذي حقق أربعة مقاعد، علماً بأن الجهات المعنية الإسرائيلية قد شطبت قائمة الحركة الإسلامية الجنوبية وحزب التجمع، في وقت واصلت فيه نهج المعايير المزدوجة بالسماح بقوائم لتيارات صهيونية متطرفة، كما يضاف إلى الإحباط العربي ليس فقط الفشل في التوصل لقائمة موحدة وإنما أيضاً شكوك في جدوى التأثير، واتهامات حول مراقبة اليمين الإسرائيلي لاتجاهات تصويت العرب من خلال كاميرات وضعت في لجان الانتخابات، وهي عموماً مسألة ما زالت المعلومات فيها غير كافية.


وفي الحقيقة أن قضية عرب 1948، وهي التسمية التي يفضلونها على تسمية أخرى شائعة في كثير من الأوساط العربية والدولية، أي عرب إسرائيل، قضية شائكة وبالغة الصعوبة، ومن وجهة نظري هي أحد الجوانب الأكثر إيلاماً للقضية الفلسطينية، بسبب الظلم الشديد الذي يعانيه هؤلاء الفلسطينيون من إسرائيل ومن العالم العربي على السواء، ونظرة التشكك الظالمة تجاههم، وتبدو المفارقة المضحكة من أن التيار العربي الذي يتحجج تاريخيا بأنه ما كان يجب أن يستسلم المواطنون الفلسطينيون لإرهاب وبطش العصابات الصهيونية بالنزوح خارج أراضيهم، متجاهلاً حقائق دامغة تؤكدها الوثائق الدولية والفلسطينية بحجم الجرائم الإسرائيلية التي أدت إلى هذا النزوح، ولكنهم عندما يأتي الأمر لعرب 48 يتشككون في هؤلاء وفي خياراتهم وانتماءاتهم، وفي جميع الأحوال يكاد يكون هؤلاء العرب محل تشكك مزدوج، سواء من هذه الشريحة العربية المشوهة التفكير والتي تتسع وتضيق بحسب الأهواء والدعايات المغرضة ومراحل السقوط العربي وما أكثرها، أم من قبل هؤلاء الذين يتبنون دعماً حقيقياً وصادقاً لهذه القضية ولهذا الشعب المغبونة حقوقه، والذي نحمد الله أنهم لا يزالون يشكلون كتلة الأغلبية العربية على رغم كل مظاهر التراجع الواضحة، ولكن غالبية هؤلاء يشتركون في قدر من التشكك واللامبالاة تجاه عرب 48.

ما هو مؤكد أن هناك جدالاً منذ البداية، حول ما إذا كان من الملائم الانخراط في العملية السياسية الإسرائيلية، وهذا الجدال ممتد داخل عرب 48، وكذا لدى الأوساط السياسية العربية المعنية بإسرائيل، حيث اعتبرها البعض اعتراف بشرعية إسرائيل وشرعية احتلالها لفلسطين، وأن هذه المشاركة حولت قضيتهم إلى سعي لتحسين ظروفهم المعيشية، وأن هذا السعي يضعف المطالب الوطنية الفلسطينية، وهذا في مقابل تيار آخر يعتبر أن هذه المشاركة جزء من النضال الوطني الفلسطيني، ويسهم في تخفيف غلواء التوجهات العنصرية الإسرائيلية، وربما يساعد في جهود السلام وتحقيق الدولة الفلسطينية، كما أن السعي لتحسين أحوال هؤلاء المواطنين حق مشروع، والمطالبة بغير ذلك من قبيل المزايدات والمتاجرة بالقضية على حساب هؤلاء الصامدين.

وأخيراً حاضر العضو العربي البرلماني السابق الدكتور عزمي بشارة والمثير للكثير من التساؤلات حيث تحدث عن تحفظاته تجاه الرأي القائل بأن هذه المشاركة يمكن أن تغير من سياسات إسرائيل، ما يضعه الآن في خانة التيار الذي يشجع على انكفاء عرب إسرائيل وانسحابهم وتراجعهم عن المشاركة السياسية الفعالة، مهم أيضاً تذكر أنه مع الحديث الغامض والمبهم حالياً حول صفقة القرن والاجراءات الأميركية لفرض الأمر الواقع، ترددت تصورات ثبت أوهامها حول احتمالات تقدم معسكر اليسار، وصفقات تسوية وهمية، وكان يسير معها دور لعرب 48 في حسم هذه المسألة، وطبعاً لم يحدث هذا، وحسمت الانتخابات بالشكل المعروف بهذا الصدد.

الموضوعية تشير إلى أن هناك حججاً لكل وجهة نظر، وأن عرب 48 هم الأجدر بحسم هذه النقاشات كلها، ولكن أيضاً من الموضوعية الأخذ في الاعتبار أن الحقائق الديمجرافية في الداخل الاسرائيلي لا تصب في صالح مواقف سلبية الآن، فلاهم بأغلبية السكان الأفارقة في جنوب إفريقيا في مواجهة الأقلية البيضاء، كما أنه قد آن الآوان أمام العقل العربي لحسم الجدل ضد كل المزايدات التي لم تؤد إلى شيء سوى مزيد من التراجع العربي، خاصة أن الإشكال الآن هو الحالة النفسية التي تروج لفرض الأمر الواقع من خلال الاتهامات الحقيقية وغير الحقيقية حول الاستسلام للمخطط الأميركي – الإسرائيلي، وأعتقد شخصياً أن هدف حديث الاستسلام والإلحاح عليه هو إضعاف المعنويات الفلسطينية للاستسلام الفعلي، الذي بالمناسبة لم يحدث حتى الآن على رغم كل هذا الحديث، ولدي أمل أنه لن يحدث أبداً مثلما أكدت في مقالة سابقة، خاصة أنه ما دامت أطراف عربية رئيسة لا يمكنها أن تقبل أي تنازل عن القدس والمسجد الأقصى.

في جميع الأحوال، ورقة عرب 48 هي أحد أهم أوراق الصراع العربي – الإسرائيلي المهمة، ليس فقط في الطريق الذي تزداد صعوبته نحو قيام دولة فلسطينية مستقلة، ولكن الأهم في تغيير طبيعة الدولة الإسرائيلية من كيان عنصري متطرف في المنطقة يغذي التطرف والتعصب وفكرة موزاييك الشرق أوسطية وكياناتها الطائفية بحيث يروج إلى أن تصبح إسرائيل دولة ديموقراطية حقيقية مقبولة من شعوب المنطقة، بل وربما جزءا من ازدهارها، ومن هنا إذا كانت إسرائيل تريد أن تصبح جزءاً من المستقبل والتعايش بين الأديان والطوائف، فلا سبيل إلى ذلك من دون دور مهم وعادل لعرب 48، يصبحون بمقتضاه مقياس تطور هذه الدولة - المتقدمة إقتصادياً وعلمياً -، ولكنها المتخلفة في مجال حقوق الإنسان والتحضر والتي تكرس العنصرية والتعصب الديني، كما أن سعي هؤلاء العرب لممارسة سياسية نشطة مصحوباً معها حقوق اجتماعية واقتصادية مماثلة حق مشروع لهم في إطار هذه المنظومة.

ولكي نجمل موضوعاً معقداً وطويلاً، فإنه في صراع معقد، وصعب، كالصراع مع إسرائيل، فإن كل الأدوات يجب استخدامها والتمييز بين ما هو تكتيكي وما هو استراتيجي، وبالمجمل أيضاً فقد آن أوان مقاربة عملية شاملة من عرب 48، تقوم على احتضان حقيقي وصادق لهم، ومؤسس على استراتيجية واضحة، وتأخذ في اعتبارها أنه حتى هؤلاء الذين قد يظن الخارج أنهم أو جل همهم الاندماج في المجتمع الإسرائيلي هم أيضاً يخدمون قضية تغيير إسرائيل من الداخل، وأنه حتى استخدامهم بواسطة الآلة العنصرية الإسرائيلية قد يكون في خدمة تغيير المجتمع الإسرائيلي على المدى البعيد، حتى لو أظهر هؤلاء القلة عداء تجاه بقية العرب الذين يلومونهم على سلبية أوضاعهم، فتظل هناك ضرورة وليس فقط حاجة لاحتضانهم من قبل العالم العربي بمساجده - وعلى رأسه الأزهر الشريف - وبكنائسه المتنوعة وبقياداته الدرزية التاريخية في سورية ولبنان، وفوق كل ذلك بدور رائد يمكن أن يكون للجامعة العربية التي تحتاج الآن إلى مبادرات جديدة من كل نوع.