قرائنا من مستخدمي واتساب
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق واتساب
إضغط هنا للإشتراك

عبدالله السويجي

هناك حقائق ومعطيات كثيرة تحولت إلى بديهيات، وبات ذكرها وتكرارها والدوران حولها أمراً لا يخدم الحقيقة، ويُدخل الإنجاز والمعلومة في دائرة الجمود، ويقلل من وهجهما وأهميتهما، لذلك فإن البناء على الحقائق، من أفكار وعلوم وإنجازات هو ما فعلته الأمم التي بلغت من التقدم شأناً عالياً، والبناء هو الإضافة النوعية المستندة إلى الابتكار والجودة، وتحسين معاييرها بما يخدم الفكرة والإنجاز.
الحديث الإنشائي لم يعد مطلوباً، وإعطاؤنا ما نملك وإخبارنا بما نعلم هو ضرب من المراوحة التي لا تقدم ولا تؤخر، وعادة يلجأ إلى هذه اللغة من أفلس فكرياً وعلمياً واجتماعياً، فيتحول حديثه إلى نوع من تأكيد المؤكد وتثبيت الثابت. واللجوء إلى البلاغة في معالجة الفكرة يبقيها كما هي، لهذا فإن اللجوء إلى

المنطق الذي يعتمد على منهج التحليل للوصول إلى نتائج واضحة محددة في نقاط تشير إلى أشياء ملموسة يمكن الانطلاق منها لتطوير الواقع، هو ما يفعله المفكرون الاستراتيجيون.
أتابع منذ فترة طويلة ما يَرد في بعض الأعمدة الصحفية والمقالات المحلية التي تتناول الشأن المحلي، فوجدتها تلجأ إلى أساليب يمكن وصفها بالآمنة، أي تلك التي لا تثير جدلاً ولا تستدرج حواراً، فيخرج قارئها منها كما دخل، ويعتقد هؤلاء الكتاب أن اللجوء إلى هذه الأساليب هو فعل وطني يرمي إلى توحيد الصفوف (في الوقت الذي تكون فيه الصفوف موحدة)، أو تهدف إلى الاحتفاء بالإنجاز (في الوقت الذي نحتفي فيه جميعنا كل لحظة ونفرح به ونحافظ عليه)، أو إلى التأكيد على قضايا أصبحت من المسلمات . ونحن هنا لا نتحدث عن المقالات الرسمية، لأنها تحمل الصيغة الدبلوماسية وتتحدث في المبادئ والخطوط العامة، وعمل أصحابها الحقيقي يكون في الاجتماعات، حيث يطرحون أفكاراً، ويناقشونها ويتوصلون إلى قرارات وتوصيات، هذا أمر مختلف كلياً عن المقالات العادية والأعمدة اليومية.
الكتابة الآمنة لا تعني أن يكون المقال بلا لون ولا طعم ولا رائحة، ولا تعني أن تكون خالية من الأفكار الجادة الرصينة، ولا تعني الابتعاد عن متابعة مشاكل الناس وهمومهم، ولا تعني تجنب الاصطدام بكاتب آخر أو مشروع مطروح أو خطة أو مبادرة، هذه كتابة غير آمنة، لأنها صامتة وحيادية وتختبئ خلف المجاملات.

لقد وصلت دولة الإمارات العربية المتحدة إلى مستوى من التقدم والتطور في معظم المجالات التعليمية والصحية والمعلوماتية والاجتماعية والاقتصادية حتى تحولت إلى نموذج ناصع للتنمية، حتى إن كثيرين يقولون إنها وصلت إلى القمة في تقديم الخدمات ومستوى الرخاء، وتوفير الأمن والاستقرار وتطبيق القانون. ونحن نعتقد أن التحدي الأكبر للدولة والشعب يكمن هنا، أي في كوننا وصلنا إلى القمة، وهذا يشكل هاجساً كبيراً لدى المفكرين الاستراتيجيين الذين يطرحون سؤالاً واحداً وكبيراً وهو: كيف يمكن المحافظة على القمة؟ وبالتأكيد، لا يمكنني الإجابة هنا عن هذا السؤال الضخم، لكن يمكن مطالبة الكتاب والمفكرين والمحللين بشحذ أقلامهم والنظر إلى الأمام والانشغال بتقديم مقترحات وتصورات وأفكار حول محورين، الأول، كيف يمكننا المحافظة على القمة، وليكن المحافظة على الإنجاز، والثاني، كيف يمكن مواصلة الصعود. وذلك بأساليب علمية وليست إنشائية، وحتماً، فإن المحافظة على القمة لا يكون بالنظر إليها والتغزل بها، ولكن بالتشبع بها وحملها إلى مرتبة أخرى، ونحن على يقين من توفر القنوات التي من بينها العمود اليومي والمقالة الصحفية الرصينة وغيرها.