قرائنا من مستخدمي واتساب
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق واتساب
إضغط هنا للإشتراك


صفوق الشمري

عندما كتبت مقال اليوم الوطني قبل الهجوم على أرامكو وضعت عنوانه «عوافي يا ديرتي»، استغرب أحد الأصدقاء من العنوان، وقال لي «عوافي» تطلق على إنسان تعافى من إصابة أو من هذا القبيل، وكأن شوقنا للوطن في الخارج صنع مثل الرابط معه، فأصبحنا نحس فيه قبل أي أزمة، ونعرف أنه سيتعافى.

قبل عدة سنوات كتبنا دراسة مطولة أكاديمية منشورة باللغة الإنجليزية تتحدث عن الأزمة بين المملكة وإيران وأنها ستسوء.

كان هذا الاستنتاج في وقته غريبا بل عكس التيار، لدرجة أن كثيرا من الزملاء الأكاديميين والخبراء عاكسونا فيها، خصوصا أن المفاوضات الأميركية الإيرانية كانت على أشدها والاتفاق النووي كان يطبخ بين الغرب وإيران، وكانت حجتي أن هناك عدة أسباب لتدهور العلاقة بين السعودية وإيران، منها أن إيران ستحصل على أموال ستستخدمها لتعزيز أذرعتها في الدول العربية وحروب الوكالة، وهم كانوا يقولون إن إيران ستستخدمها لرفع اقتصادها، وكنت أيضا أقول إن عقلية الثورة هي السائدة في إيران، فلا تعاملوا طهران بمنطق الدولة ولكن بمنطق الثورة، وأيضا هناك نص تصدير الثورة في دستورها، وأيضا أن مراكز القوى فيها سيتأثر وضعها ويضعف إذا سلكت إيران طريق الدول الطبيعية، وأيضا ثورة النفط الصخري، وأن أميركا لم تعد بحاجة كبرى لنفط الخليج كما كانت سابقا، وكانوا يذكرون أن أميركا لن تتخلى عن واجباتها الدولية، وكنت أذكر أن أميركا تتعامل بالمصالح وليس الواجبات الدولية.

مرت السنوات وحدث ما توقعناه تماما، وبدا الزملاء يراجعون أفكارهم.

منذ الحرب العالمية الثانية أخذت أميركا على عاتقها مهمة أمن ممرات الطاقة، خصوصا في الخليج، لحماية أمن الاقتصاد والطاقة العالمي، وأيضا حماية المستهلك الأميركي من ارتفاع هائل في التكلفة لو حدث أي انقطاع، وأيضا لمنع السوفييت من الوصول لمياه الخليج الدافئة. عندما حدثت أزمة وحرب الناقلات في الثمانينات وتجرأت إيران على التعطيل، دمر الأسطول الأميركي قطع البحرية الإيرانية خلال ساعات، خصوصا في عملية (براينغ مانتس).

تعلمت إيران الدرس وعرفت أن قوتها التقليدية لا تؤهلها لمنافسة أميركا أو حتى جيرانها بالخليج، لكن الأهم من كل ذلك هو مبدأ الردع، وسنكرر هذه الكلمة كثيرا. الردع بمعناه البسيط أن عدوك لن يهاجمك لأنه يعرف أنك ستلحق به خسارة أكبر بكثير من التي سيلحقها بك أثناء هجومه، وهذا ما حدث في حرب الناقلات تدمير عدد من قطع البحرية الإيرانية خلال ساعات، وسياسة الردع جعلت الخليج آمنا لسنوات من المغامرات الإيرانية.

بعد أن تعلمت إيران درس الردع وضعفها في القوة التقليدية، ركزت على الحرب غير التقليدية (اسميترك ورفير) لأنها أقل تكلفة وصعب إثباتها ولا تحتاج موارد عدة، فركزت على أذرعتها وحروب البروكسي، في لبنان حزب الله، وفي اليمن الحوثيون، والعراق بدر وحزب الله، كما ركزت على الدرونات و(طائرات دون طيار) لأنها سهل تصنيعها وتكلفتها قليلة، خصوصا أن القوة الجوية الإيرانية هي الأضعف في المنطقة، ومقطعها الراداري صغير، فيصعب على الرادارات كشفها، كما أحضرت بعض الصواريخ الجوالة من مخلفات الاتحاد السوفيتي واستقدمت بعض العلماء من أوروبا الشرقية ومن كوريا وقامت بالتقليد العكسي لها، كذلك ركزت وبشدة على حرب الماء وما تحت الماء سواء التخريب والمنصات البحرية، وذلك بسبب صعوبة اكتشافها وأيضا وجود عدة منصات بترولية وغازية في الخليج، وكوّنت أيضا مجموعات الزوارق السريعة الصغيرة المعروفة بالسراب، وأيضا الحروب السيبرانية.

نرجع الآن لميزان القوى في الخليج، بكل موضوعية وبالأرقام فإن قوة الدولة بمقياس قوة الدول، والذي يشمل عدة عوامل (القوة العسكرية والاقتصادية والسكانية والموارد... إلخ) فإن السعودية تبلغ قوتها 3.57 بينما قوة إيران هي 2.72، فعلا السعودية أقوى من إيران، لكن السؤال الملح هل هذا كافٍ للردع؟، خصوصا في وجود دولة لا تهتم بالخسائر مثل إيران التي تعمل بمبدأ التكيف على الخسائر، فقد خسرت في حرب العراق ثلاثة أضعاف العراق من الرجال، لكي تحصل على الردع التقليدي الصريح تحتاج أن تكون قوتك حوالي 4 -5 أضعاف الآخر!

لو أضفنا أميركا إلى المعادلة تكون قوة السعودية وأميركا مجتمعة ما يقارب حوالي 16 ضعف إيران، لذلك يحدث الردع بسهولة، إذن لماذا هاجمت إيران بقيق من أراضيها في هذا الوقت؟.

لعدة أسباب منها، أولا العقوبات الأميركية خنقتها، لذلك تريد رفع التكلفة على الاقتصاد العالمي لكي ينتبه لها العالم، خصوصا أن تفجيرات الفجيرة لم تحدث أثرا يذكر على الأسعار، وثانيا للتأثير على طرح أرامكو، وثالثا والأهم أنها اعتقدت أن سياسة الردع الأميركية خفت في وجود رئيس أميركي متردد كما حدث في إسقاط الطائرة الأميركية فوق الخليج، وهناك أسباب أخرى يطول ذكرها.

بعد ما حدث الآن من بقيق ما هو الرد الأفضل من وجهة نظر مدرسة السياسة الواقعية، يجب الرد وإلا ستتكرر الحوادث، وأيضا عدم الرد سيؤدي إلى تقليل النفوذ، خصوصا أن المجتمع الدولي ومجلس الأمن مشلولان منذ سنوات، والمصالح حول العالم تلعب دورا في تلكؤ الدول، خصوصا بعض الأوروبيين والشرقيين.

الرد الأمثل لكي يكون رادعا ولسنوات، لأن أي عملية رد بسيطة ستجر سلسلة من الأحداث وردودا من الطرفين، لذلك يجب وضع سياسة الردع موضع التنفيذ، فأي ضربة قادمة يجب أن تكون مضاعفة بما لا يقل عن أربعة أضعاف، وإذا فرضنا أن هناك 25 صاروخا ودرونا ضربت بقيق وخريص، فالأفضل ضرب ما يقارب 100 صاروخ لكي يحدث الردع ويتوقف الإيرانيون كما حدث في الثمانينات، أو أن تتسبب بطريقة أو بأخرى بخسائر أربعة أضعاف ما حدث لك من ضرر.

هل المملكة قادرة؟ الإجابة نعم قادرة، وأؤكد على كلمة سيدي أبي فهد أن السعودية قادرة وتملك الإمكانات للرد ليس أربعة أضعاف بل أكثر من 7 أضعاف لو أرادت.

عموما القرارات الكبرى يجب أن تذهب في يد القيادة، لأن معلوماتها ومصادرها أفضل وستختار الوقت الأنسب، لكننا نقدم رؤية من منظور العلوم السياسية، خصوصا مدرسة السياسة الواقعية.