قرائنا من مستخدمي واتساب
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق واتساب
إضغط هنا للإشتراك

عبدالله السويجي

مشهد تضمن تصريحات لا تُصدق، هذا الشعب الطائفي المحكوم بأحزاب طائفية ينتفض فجأة على زعمائه، ويطالبهم بالرحيل.
اختلط الحابل بالنابل في الاحتجاجات التي شهدتها مناطق لبنانية من الشمال إلى الجنوب ومن الشرق إلى الغرب، في مشهد سريالي أقرب إلى الخيال. مشهد تنقلب فيه السلطة على ذاتها، والأحزاب تحرض أتباعها على النزول إلى الشوارع للتظاهر. فجأة، امتلأت الشوارع بالمتظاهرين من جميع الأديان والمذاهب، المسيحي إلى جانب المسلم، السني إلى جانب الشيعي، وحركة أمل وحزب الله إلى جانب القوات اللبنانية والكتائب والتيار الوطني الحر، كلهم يهتفون لإسقاط النظام، إسقاط الرؤساء الثلاثة، ميشيل عون وسعد الحريري ونبيه بري. جماعة وزير الخارجية جبران باسيل رئيس التيار الوطني الحر ينادون باستقالته، جمهور من الشيعة من الضاحية الجنوبة ينتقدون أمين عام حزب الله السيد حسن نصر الله ويتهمونه بعدم الوفاء بتعهداته، ويحرقون صورته في مدينة صور، جمهور آخر من الشيعة ينتقد رئيس مجلس النواب، نبيه بري، وهو ذاته رئيس حركة أمل، ويقولون له أما كفتك ثلاثون عاماً رئيساً لمجلس النواب؟ متظاهرون شيعة في الجنوب يتهمون نبيه بري وزوجته بالفساد، جماعات الرئيس ميشيل عون يطالبونه بالتنحي والاستقالة، مشهد تضمن تصريحات لا تُصدق، هذا الشعب الطائفي المحكوم بأحزاب طائفية ينتفض فجأة على زعمائه، ويطالبهم بالرحيل. الأكثر إدهاشاً في مشهد المظاهرات في لبنان، دعوة كثير من المحتجين الجيش لحكم البلاد، وإقفال الحدود الجوية والبرية والبحرية والقبض على السياسيين الفاسدين، وإعادة الأموال المنهوبة إلى خزينة الدولة، أي أنهم يطالبون بحكم العسكر. المشهد السريالي، ولأنه سريالي، ولأنه نبت فجأة وكما يبدو، ومن دون تنظيم ولا أهداف واضحة، تلاشى فجأة وتفرّق بقوة الجيش والشرطة، الذين استخدموا قنابل الغاز المسيل للدموع وخراطيم المياه، قد يعودون ثانية، وسيتفرقون ثانية.

هؤلاء المحتشدون، ينتسبون لأحزاب لبنانية تشكل المشهد السياسي اللبناني، هؤلاء انتخبوا أعضاء مجلس النواب، وخلال الانتخابات كانت تنتشر إشاعات أن الأصوات مدفوعة. فماذا حدث كي تنقلب الأحزاب على ذاتها بشكل يدعو للعجب والدهشة؟ والنظام ينقلب على نظامه؟ الرسوم على مكالمات «الواتس آب» لم تكن السبب كما قال المحللون السياسيون، إنما هو الاحتقان والجوع والفقر، لكن هذا المثلث موجود منذ سنوات، والناس محكومة للأحزاب. البعض يعيد الأمر إلى تغيرات في المشهد الإقليمي المحيط، وانسحاب الجيش الأمريكي من سوريا، أي إعطاء النظام السوري فرصة ليتنفس، البعض يحمل مسؤولية المظاهرات لأيادٍ خفية، لكن هل يعقل أن ينزل آلاف المواطنين وفي مختلف المناطق ومن كل الطوائف بواسطة الأيادي الخفية؟
المشهد غريب ومربك للبنانيين أنفسهم، خاصة أن جبران باسيل وزير الخارجية برر الاحتجاجات، وكذلك رئيس الوزراء الشيخ سعد الحريري، الذي انتقد الأداء الحكومي ومنح نفسه ثلاثة أيام وبعدها سيتصرف، لكنه ألمح إلى بعض الجهات التي تخطط للاستيلاء على الحكم، وطالبهم بانتقال سلمي للسلطة، فهل سيستقيل بعد ثلاثة أيام؟

لو فعل، سيدخل لبنان في فراغ جديد، ولن يتمكن من تشكيل حكومة تكنوقراط التي يطالبون بها، لأن الأحزاب تتحكم بمفاصل الدولة. هل لبنان على أعتاب حرب أهلية جديدة؟ تبدأ بالفراغ الأمني ثم بالتنازع والاقتتال، هل جاء دور لبنان ليشهد ما تشهده سوريا وليبيا، وما شهدته مصر؟ هل هناك أيادٍ خفية تعمل على خلط الأوراق؟ أم أن ما يشهده لبنان هو انتفاضة جوع حقيقية تطالب بإسقاط النظام «الفاسد»؟
الأيام القليلة القادمة التي حددها سعد الحريري وتنتهي اليوم الاثنين، ستكون حاسمة وخطيرة، فإما أن يواصل الشعب انتفاضته، وإما أن تعود رموز السلطة فتتفق وتعطي الشعب القليل، فتخدره إلى حين.
حتى يتخلص لبنان من أزماته عليه التخلص من النظام الطائفي، واستبداد الأحزاب وتدخلها في الدولة، وأن يختفي السلاح غير الشرعي ويسود النظام والقانون. من دون هذا سيدخل لبنان في نفق معتم، وسيؤثر في محيطه تأثيراً كبيراً.