قرائنا من مستخدمي واتساب
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق واتساب
إضغط هنا للإشتراك

فاروق جويدة

لبنان وطن مختلف، ولهذا كان دائماً مثار حقد وحسد من الآخرين، فحين خرج شباب لبنان في انتفاضة كرهنا الثورات، ذلك لأن احتجاجاته أعادت إلينا ذكريات شعوب قامت ترفض الفساد والنهب وامتهان حقوق الشعوب.

لقد خرج شباب لبنان وهم لم يشاركوا سابقاً في الحرب الأهلية التي احترق فيها الآباء والأجداد.. إنهم جيل آخر عرف الحب على صوت فيروز وفضل شاكر وكاظم الساهر وماجدة الرومي.

والأمر الذي يدعو للسخرية هو: أن مواقع التواصل الاجتماعي في العالم العربي لم تجد في انتفاضة اللبنانيين غير صور الفتيات وهن يقتحمن الشوارع، ويطالبن برحيل رموز النهب والفساد.

وبدأت موجات السخرية على هذه المواقع رغم أن حشود الفتيات كانت من أجمل وأرقى مشاهد الانتفاضة اللبنانية، فاللبنانيون لم يخرجوا إلي الشوارع لأنهم شعب قادر على أن يختار زمانه بالوعي والتحضر والإرادة، لقد فوت لبنان على الآخرين فرصة أن يقولوا إن هذا البلد ثار مثلنا ولهذا اختاروا الزمن في وقت صمت فيه الجميع، وللإنصاف فإن انتفاضة شباب لبنان لم تشبه أحداً وربما لم تتأثر بأحد.

إنها لم تكن ضد رئيس ولكنها كانت ضد دولة حاصرها الفساد من كل جانب وفي كل اتجاه.. إنه فساد الأموال التي نهبها عدد من الأشخاص من كل الاتجاهات، لم يكن في لبنان شخص واحد فاسداً ولكنها كانت عصابة من الفاسدين.

وكان من الصعب أن يلتقي الساسة على طاولة واحدة لأنهم يكرهون بعضهم، ولأن المصالح بينهم متضاربة، ولأن وراء كل واحد أيدٍ تحركه، فقد تركت الحرب الأهلية أخطر الأمراض، وهو أن وراء كل فريق من يحميه ويدعمه بالسلاح والمال والنفوذ.

فلم تعد الحرب بين أشخاص، ولكنها دول تحارب بعضها والضحية هم شباب لبنان الذين ماتوا في عمر الزهور.

إن أخطر ما جاءت به انتفاضة لبنان أنها لم تكن لحساب أحد، ولم تخرج من جيب أحد، ولكنها انطلقت وتجاوزت كل الإرث القديم من الخصومات والثأر والتقسيمات العرقية والدينية والسياسية.. فهؤلاء الشباب تجاوزوا آباءهم الذين دفعوا ثمن الحرب الأهلية، التي دمرت الوطن الجميل، لم يرفع أحد منهم شعاراً ضد الآخر، ولم يعلن أحد أنه ينتمي إلى حزب دون آخر، ولكنهم جميعاً خرجوا من أجل الوطن، ولهذا فشلت كل قوى الفساد في أن تشق صفوفهم، وكان منهم أعداء بالأمس توحدوا تحت العَلم.

إن أخطر ما حدث في لبنان أن هناك جيلاً اختار أن يحيا بعيداً عن أجندات الفساد، وقرر أن يسقط كل رموزه ولهذا سوف تنجح انتفاضة الشباب اللبناني، لأنها اختارت ألا تكون صدى لأي أحد، وصنعت زمانها، وتجاوزت كل الأخطاء القديمة، واستطاعت أن تجمع المواطنين على حب وطن واحد هو لبنان.