& عاطف الغمري

النظام السياسي الأمريكي فريد في نوعه، وقد استقرت له مفاهيم وآليات للتفكير والتنفيذ، اعتاد الرؤساء السابقون أن يتصرفوا في حدودها، والالتزام بالهوية الخصوصية لهذا النظام، وكذلك سماحهم لخبراء السياسة الخارجية من النخبة المتخصصة، بمشاركة الرئيس في صناعة القرار، ولو كانوا من خارج الإدارة التي تتولى السلطة. ثم إن الرؤساء أنفسهم، اعتادوا اللجوء إلى هؤلاء الخبراء من النخبة، ليستلهموا منهم أفكاراً ترشدهم إلى اتباع نهج معين في سياستهم الخارجية، للتعامل مع مشكلة أو أزمة دولية.
هؤلاء الخبراء هم مخزون خبرات، تتجدد إمكانات عقولهم يومياً، بسبب طبيعة نشاطهم، في مراكز الفكر السياسي، التي تشهد يومياً مناقشات، ومناظرات، وبحوثاً، حول قضايا السياسة الخارجية المزمنة، والطارئة أيضاً.
وفي الولايات المتحدة يوجد 2000 مركز للفكر السياسي، منها 100 مركز في العاصمة واشنطن، يحتل 50 مركزاً منها وضع الأكثر نفوذاً وتأثيراً في سياسة الدولة. من بينها على سبيل المثال لا الحصر، مجلس العلاقات الخارجية، ومؤسسة راند، ومؤسسة هيريتاج، وغيرها.

إضافة إلى وجود مسار آخر ينظر إلى المدى البعيد، يعمل على غرس نبتة في تربة السياسة، لا تكون الظروف مهيأة لها حينئذ، ثم تتولى رعاية هذا النبتة مؤسسات عديدة بالترويج لها، واستخدام وسائل القوة الناعمة لتسهيل تقبل هذه الأفكار من جانب شعوب دولة أو دول مقصودة بها. وحين تجد هذه المؤسسات أن الفكرة النبتة صارت لها أرضية تسمح بقطف ثمارها، عندئذ تتحول الفكرة إلى سياسة رسمية للدولة الأمريكية.
وهؤلاء الخبراء - من النخبة - تنتابهم الآن حالة من الحيرة إزاء صناعة ترامب لقرار السياسة الخارجية، فهم يرونه يتصرف في مثل هذه الأمور، بما تمليه عليه غريزته كفرد، وهو ما يعد خروجاً على النمط التقليدي المتوارث تاريخياً، والذي كان هو الحاكم لأداء مختلف الرؤساء السابقين في قضايا السياسة الخارجية.

والأمثلة أمامهم عديدة، فترامب كثيراً ما يتخذ قراراً دون الاستماع إلى مستشاريه، مثلما فعل بالتخلي عن حلفائه من الأكراد السوريين، عقب مكالمة تليفونية قصيرة مع أردوغان.

وفي مثل هذه المواقف، كان هناك تقليد دائم يتقيد به الرؤساء السابقون على اختلافهم، يتمثل في اجتماع مجلس الأمن القومي، الذي كانت بداية إنشائه عام 1947 في عهد ترومان، ثم تحول إلى قوة محركة للسياسة الخارجية في عهد نيكسون، بفضل الدور الذي لعبه هنري كيسنجر وزير خارجيته ومستشاره للأمن القومي، حتى وصف هذا المجلس وقتها باللجنة التي تدير العالم.
في اجتماعات المجلس لمناقشة السياسة الخارجية التي ينبغي اتخاذها إزاء مشكلة دولية، يحدث أن يطرح كل من أعضاء المجلس، وجهة نظره، بينما الرئيس يستمع إلى مختلف الآراء، التي قد تتنوع فيها وجهات النظر، وقد تتعارض، وفي النهاية يكون الرئيس قد استوعب كل ما طرح أمامه، ويكون له الحق في ترجيح أي منها.
أمام ذلك كله، ودون التشعب في نماذج عديدة كانت قد شغلت خبراء السياسة الخارجية، انتبهوا إلى وعوده المتكررة عن إعادة الجنود الأمريكيين إلى بلادهم، وإنهاء حروب لا نهاية لها، يفقد فيها أولادنا حياتهم، على حد تعبيره.
وفي تشخيصهم لهذا النموذج، فهم يرون أن ترامب لا يمد بصره إلى المدى الأوسع للقضية التي يتحدث عنها، ويكتفي بالتركيز على جزئيات، دون ربطها ببعضها، وخاصة أن القضايا في دول متعددة تتشابك مكوناتها، ولا سيما في منطقة الشرق الأوسط، وهو يتصرف دون مراعاة لما سينتج عن قراره بالنسبة للمكسب والخسارة من الناحية السياسية والمستقبلية، من ذلك قراراته المنحازة كلية ل «إسرائيل»، متجاهلاً ما يمكن أن يصيب عملية السلام في المنطقة من تدهور أو انهيار، ثم ما يمكن أن يحدث في المدى المتوسط من تحولات في مواقف دول عربية، نتيجة تراكم إحباطات شعوبها من خذلان أمريكا لها.

على خلفية هذه النظرة كان السؤال الذي يحير البعض: هل يسمح النظام الأمريكي باستمرار الخروج على قواعد ثابتة، تم إرساؤها وفق طبيعة النظام السياسي الأمريكي، أم يصل الأمر إلى تخلص حراس هذا النظام من ترامب؟
التساؤلات ما زالت مستمرة، ولم ترسُ بعد على شاطئ تستقر عنده.

&