أحمد الصراف

من الأمور الصعبة على الكثيرين، خاصة من المعتدين بأنفسهم «على الطل»، الاعتذار للآخرين، لأنهم يشعرون بثقل نطق كلمة «آسف»، فهم يعتبرون ذلك نقصًا وانكسارًا، وهذا ليس غريبًا في مجتمع لا يعرف ثقافة الاعتذار لخشونة طبعه، وعدم إدراكه لما يتضمنه الاعتذار من دروس وعبر. كما من الضروري غرس ثقافة الاعتذار في نفوس الناشئة منذ الصغر، فلا يجب أن يفلت الصغير بفعلته من دون اعتذار.

* * *

في مقابلة مع الداعية السعودي المعروف عايض القرني، الذي سبق أن تورّط في فضائح وقضايا نشر، وكان له دور حاسم في التغرير بآلاف الشباب السعوديين، في فترة الصحوة المشؤومة، وإرسالهم لحتفهم في جرود أفغانستان وصحارى العراق ووديان سوريا، ذكر القرني لمقدم البرنامج عبدالله المديفر، الذي اعتبره من قيادات الصحوة، ومدينا للمجتمع السعودي بالاعتذار لدوره، وبأن عليه الاعتراف بأنه أخطأ في حق السعوديين، وعليه طلب الصفح منهم. فردّ عايض القرني قائلًا: أنا بشر، وأقول صراحة باسم الصحوة إنني اعتذر للمجتمع السعودي عن الأخطاء التي خالفت فيها الإسلام والدين المعتدل وسماحته، وضيّعت على الناس الكثير. وإنني أعتذر للجميع، باسم الصحوة، حيث إنني الآن مع الإسلام المعتدل الوسطي والمنفتح، الذي طالب به الأمير بن سلمان!

* * *

خرج النائب السابق وليد الطبطبائي يوم الخميس الماضي من السجن بعفو أميري، وكانت وسائل الإعلام في انتظاره خارج بوابات السجن، حيث صرّح شاكرًا صاحب الفضل، ولكن العبرات خنقته ولم يستطع مغالبة دموعه التي ملأت عينيه، وعندما سُئل عن سبب بكائه قال إنه يبكي «أمه»، التي سبق أن توفيت قبل فترة قصيرة في أحد مستشفيات تركيا! من الصعب عدم التعاطف مع أبومساعد، وهو في محنته والوضع الذي أصبح عليه، وما ينتظره من حكم قضائي آخر، بعد أن أصبح خارج العملية السياسية، ربما إلى الأبد، وهو الذي كان يومًا ملء السمع والبصر. رائع يا سيد وليد وفاؤك لذكرى والدتك، وبكاؤك عليها، ولكن ماذا عن أمهات آلاف السوريين اللائي ساهمت بطريقة مباشرة وغير مباشرة في قتل أبنائهن؟ ماذا عن كل الكراهية الشديدة التي كنت، وربما لا تزال تضمرها لكل من اختلف معك مذهبيًّا؟ ماذا عن الأموال التي أهدرتها والأسلحة التي جمعتها والتي تسبّبت في تفجير رؤوس أمهات وأخوات وزوجات السوريين؟ ألا يستحق هؤلاء أيضًا دمعة منك واعتذارا؟

هل ارواح أمهات الناس، مهما كانوا، بكل هذا الرخص، وأرواح أمهاتنا هي الغالية؟ لقد توفيت المرحومة والدتك مكرمة، ودُفنت وأنت بجانبها، وتقبّلت العزاء فيها، وأنت بحريتك، فماذا عن مئات أو ربما آلاف الأمهات اللواتي لقين حتفهن ورُميت أجسادهن في العراء من دون أن يجدن من يهيل حتى كومة تراب عليهن؟ Volume 0% إن شريحة كبيرة من هذا الوطن، من زملاء لك وإخوة وأخوات في الوطن والمصير، طالما أبديت استخفافك بهم وتكفيرك لهم يستحقون أيضا منك، ليس فقط دمعة، بل اعتذارا واضحا أيضا، فقد اقترفت، يا أبو مساعد، إثمًا بحقهم، بقصد أو بغير قصد، والتاريخ لن يرحمك، فلا ترحل عن هذه الدنيا، وذنب هؤلاء في رقبتك.. من دون اعتذار، والاعتذار من شيم الكبار.