قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

فـــؤاد مطـــر

ليس مستغرباً تفاقم الحالة الاقتصادية في دولة مثل إيران تنفق بسخاء على «دويلاتها» في أكثر من قطر عربي وإسلامي، لكي تبقى هذه «الدويلات» المدعمة أسلحة متقدمة وتدريبات نوعية غب الطلب لتنفيذ مهمات عند الحاجة إلى ذلك؛ سواء كانت عبارة عن جولات سلاحية أو مواقف سياسية تربك الدولة الرسمية عند تشكيل حكومة أو استيلاد تحالُف يحقق الكفة الراجحة عند احتساب الأصوات، وشكَّل بالتالي الرافعة عند انتخاب رئيس لعهد جديد، وبصرف النظر عما إذا كان التحالف ضدياً من حيث المبادئ والنظرة إلى المسألة الوطنية، وقدسية الكيان المستقل والمحايد.

فكما الغاية تبرر الوسيلة فإن المآرب الموحى بها تبرر غرابة التحالفات على أساس أن هذا الكرم الثوري يتم على حساب احتياجات ومطالب الناس في الداخل. وما نعنيه بذلك ليس تأمين لقمة العيش وإنما العيش الكريم والعمل المتيسر والتنفس بحرية والاستفادة من التطور الذي تنعم به شعوب أُخرى. وحيث إن الأولوية هي لموجبات مشروع «تصدير الثورة» وإبقاء «الدويلات» على تماسكها وولائها ورفْع مستوى جهوزيتها، فإن الذي يطلبه المواطن الإيراني كان في استمرار مقتطَعاً. ونستحضر من الذاكرة وبما يثبِّت ما نقوله عبارة وردت قبْل ستة أعوام (الخميس 1 مايو/ أيار 2014) في التصريح الشهير للجنرال صفوي أحد مستشاري المرشد خامنئي الذي قال فيه على الملأ: «إن حدودنا الغربية لا تقف عند الحدود العراقية بل تصل إلى جنوب لبنان. وهذه المرة الثالثة التي يبلغ فيها نفوذنا سواحل البحر الأبيض المتوسط». ومع أنه لم يفصح عما في النفس الأمَّارة بالانتشار خارج الحدود دون وجه حق مكتفياً بما قل ودل، فإنه كان يشير إلى حدود الإمبراطوريتيْن الأخمينية والساسانية الفارسيتيْن قبْل الإسلام.
وبطبيعة الحال وحتى من قبل أن تبلغ العقوبات المفروضة على إيران المدى المقلق ولا تعود مردودات الثورة النفطية على أرقامها المليارية، كان التعثر الاقتصادي نتيجة اقتسام «دويلات» الخارج عوائد الدولة من الخيرات النفطية، يزداد سنة بعد سنة.

هذا النهج أوصل إيران الغنية بثروتها النفطية في حال استثمارها بما يعزز التنمية ويرفع مستوى الحياة لدى الناس إلى ما باتت عليه. وللمتابع للتطورات الإيرانية حق التساؤل: إذا كانت الأحوال على ما هي عليه، فما الذي يحمل المرشد خامنئي على ألا يعيد النظر في مشروع «تصدير الثورة» واستبدال مشروع «استيراد الطمأنينة» به، كما لدى دول مجاورة وأُخرى بعيدة؟ واستيراد الطمأنينة بمعنى أن الحُكْم يهتم بالداخل خصوصاً أن الشعب في أشد الحاجة إلى حياة أفضل.
وبدل أن تتواصل متطلبات التصدير ويهتم المرشد بما سبق أن طالب الناس به؛ وهو حثهم على أن يتناسلوا بوتيرة أكثر حيوية، لماذا لا يكون هنالك استحضار لما سبق أن أوضحه حول واقع الحال الشيخ حسن روحاني الذي على أساسه هلل له الإيرانيون وانتخبوه رئيساً؟ يومها وقبل ست سنوات نطق روحاني بلسان أكثرية الناس قائلاً: «ليس فخراً لهذا البلد أن يحتاج إلى استيراد أغذية وأن يكون جزء من السكان في عوز، أو بعبارة أُخرى تحت خط الفقر». وقال أيضاً وبلسان الأكثرية الفقيرة ومتوسطة الحال والنخبة المثقفة... بل وكل إيراني من غير المؤمنين بضرورة وجدوى مشروع التصدير كما غير مقتنعين بطروحات معظم مؤسساته وجنرالاته ومستشاريه: «علينا بناء البلاد وهذا لا يتحقق قط من خلال إثارة ضجيج وتبجح». وقال أيضاً وأيضاً: «لا تُبنى كرامة البلد وهيبته بهذه الطريقة. والشعارات الزائفة والسجالات لن تحقق الاستقلال والمجد للبلاد وثمة في البلاد أفراد ينهبون ممتلكات عامة ويفرغون جيوب الناس بذريعة مقاومة القوى العظمى. من الواجب وقْف الذين يعتزمون من خلال شعارات زائفة حرْف الأمة عن المسار الصحيح لجهة الاهتمام بالأهداف قبْل كبْح التضخم وإيجاد فرص عمل للشباب».

ما دعا إليه روحاني انتهى مثل حبات سكر ذابت في بحيرة مشروع التصدير. وبدل أن يأخذ المرشد بهذه التحذيرات من الشيخ الذي بات رئيساً للبلاد، فإنه استمر يرعى مشروع «تصدير الثورة» وأدخل إلى خيمة هذا المشروع اجتياحاً للشرعية في اليمن واستحواذاً على القرار في سوريا وتمكيناً للتأثير الفاعل في العمق الأكثر قوة سياسياً وعسكرياً (أي «حزب الله» في لبنان) وتثبيت حالة عدم التوحد الفلسطيني، وذلك من خلال مشاكسة حركة «حماس» وبعض الفصائل الثانوية المتمركزة في غزة لـ«السلطة الوطنية». وإذا كان مقياس الإنجاز لما فعلت هو أن ينقسم اليمن وتتبعثر سوريا ولا تستقر الحال الحكومية في كل من العراق ولبنان ولا يلتئم الشمل الفلسطيني، فإن المشروع الإيراني حقق مبتغاه. ولكن مقابل ذلك انتهت الأحوال في إيران إلى ما هي عليه الآن.

ويبدو جلياً أنه في ضوء العقوبات المتتالية والصدمات النفسية والارتباك الذي تتسم به المواقف ستسوء الأحوال أكثر ولا يبقى من المشروع الإيراني الطموح سوى النووي الذي فاق في استنزافه التصور وسوى موضوع تنشيط التناسل، الذي يعتقد المرشد أن قلة عدد السكان تشكِّل أحد المعوقات في اكتمال تكوين إحياء إمبراطورية الزمن الغابر، ومن أجل ذلك لا بد أن يكون عدد السكان وفيراً... إلا إذا كان الغرض من الفكرة هو أن إيران في الزمن الخميني فقدت من البشر في حربها ضد العراق بضعة ملايين بين قتلى ومعوقين ويجب تصحيح الكفة السكانية من الميزان، أو أن إيران في الزمن الخامنئي كانت في صدد التحضير لحرب من نوع الحرب مع العراق الصدَّامي، تستهدف هذه المرة، ووفْق ما كان يخطط له الجنرال قاسم سليماني، بعض دول الخليج، ثم يتسلم الدفة «إمبراطوراً ثورياً» متوجاً يكمل ما تبقَّى من عمر المرشد وبعد رحيله ما حفلت به سنوات الحقبة الخامنئية من حالات ليست في مصلحة إيران الوطن وإيران المواطن، شهد على بعضها كما ذكرْنا في سطور سابقة شاهد من أهل النظام عنينا به الرئيس خاتمي الذي يستغرب المرء كيف لا يعيد التذكير وهو رئيس للجمهورية، وبات أقل تقييداً للتعبير بعد رحيل راسم بعض الخطوط الحمر لمعظم المسؤولين الجنرال سليماني، بما سبق أن تناوله قبل ست سنوات، إذ إنه بإعلاء الصوت وترجمة الأقوال إلى تنفيذ يمكنه المساعدة في تطبيع العلاقة غير السوية للنظام مع الجيران العرب أولاً ثم مع دول العالم. كما أنه بإعلاء الصوت يمكنه إقناع المرشد بأن دعوته إلى تنشيط التناسل، بحيث يصل عدد السكان إلى 150 مليون نسمة كحد أدنى، فكرة جيدة في حال أن إيران مستقرة، ويعمل النظام الحاكم فيها على نحو ما تقوم به الأنظمة في دول يعنيها شعبها وثقة الجميع بها وعدم انشغالها بأحلام ثورية وإمبراطورية، على نحو ما هي هواجس الرئيس التركي رجب طيب إردوغان والرئيس الروسي فلاديمير بوتين. واللافت أن الأوضاع الاقتصادية في الدول الثلاث إيران وتركيا وروسيا سيئة. كما أن القادة الثلاثة منشغلو البال بالتناسل وشاغلو دول بعيدة عنهم بتحرشات ذات جذور احتلالية. وللحديث بقية عن هذه التطلعات في زمن تحتاج الأوطان إلى قيادات واقعية وتقديم إصلاح الأوضاع الاقتصادية وعدم التحرش بالآخرين على هواجس اهتمامات التناسل.