قراؤنا من مستخدمي واتساب
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق واتساب
إضغط هنا للإشتراك

"إذا خالفت بريطانيا القواعد الأوروبية ستضعف العلاقات الاقتصادية"
أنجيلا ميركل، مستشارة ألمانيا
أسرعت أنجيلا ميركل المستشارة الألمانية إلى إعلان موقف هو الأقوى من بريطانيا بسبب المفاوضات المتعثرة الراهنة بين الأخيرة والاتحاد الأوروبي، على استكمال انسحابها من هذه الكتلة. هذه المفاوضات لم تحقق أي شيء يذكر، بينما لم يتبق للندن سوى نهاية العام، للانسحاب النهائي، تلبية للاستفتاء التاريخي الذي طرح عام 2016، وأدى إلى تصويت أغلب البريطانيين على الانسحاب من الاتحاد. ومع التعثر في المفاوضات، رفضت الحكومة البريطانية مطالب شريحة من النواب في مجلس العموم البريطاني، بتمديد الفترة الانتقالية للانسحاب لعام آخر أو عامين، وذلك تحسبا لانتهاء المدة الحالية دون التوصل لاتفاق تجاري مع الكتلة الأوروبية، الأمر الذي يعده أنصار الاتفاق، بمنزلة كارثة حقيقية على المملكة المتحدة كلها.
من هنا، يمكن فهم هجوم ميركل الأخير على لندن، بسبب احتمال إتمام الخروج بلا اتفاق، وكانت واضحة بقولها "على المملكة المتحدة أن تتحمل عواقب علاقة اقتصادية أضعف مع الاتحاد بعد خروجها منه، إذا لم يطرأ أي تقدم في المفاوضات لتنظيم العلاقة بعد بريكست". اللهجة نفسها استخدمها إيمانويل ماكرون الرئيس الفرنسي في السابق في أكثر من مناسبة. فلا يمكن للندن أن تتمتع بامتيازات دون اتفاق تجاري واضح مع بروكسل يشمل كل شيء، بما في ذلك بالطبع الخدمات المالية، والعلاقة المستقبلية لبريطانيا مع بقية الدول الأخرى. بينما تتحرك الحكومة البريطانية منطلقة من القاعدة التي وضعتها لنفسها، وهي أن الانسحاب سيتم باتفاق أو بلا اتفاق وفي الموعد المحدد، دون تأخير، في إشارة إلى التزامها بمتطلبات استفتاء "بريكست".
المشكلة باقية، ولا توجد إشارة واحدة تدل على إمكانية تراجع الجانب الأوروبي في مفاوضاته مع البريطانيين، والعكس صحيح أيضا. هذه المشكلة تتعمق مع تمسك حكومة بوريس جونسون بالخروج بأي شكل كان، حتى إنه أعلن صراحة، أنه مستعد للانسحاب من المفاوضات الحالية، ما لم تتغير آليات التفاوض الأوروبية ومنهجها. لكن بروكسل لن تغير شيئا، وهي تستند إلى مسألة أن لندن لا يمكن أن تمنح أي امتياز، إذا لم تلتزم بقواعد الاتحاد الأوروبي نفسه. وأيا كان مستوى تهديد جونسون، إلا أنه لن يستطيع الانسحاب بالفعل، رغم تمتعه بأغلبية برلمانية تمكنه من تمرير أي قرار أو قانون على مجلس العموم. الأغلبية هذه اقتنصها في الانتخابات العامة التي جرت العام الماضي، وضرب فيها بشدة القوة المعارضة الأكبر له المتمثلة في حزب العمال.
اللافت في موقف جونسون الأخير، أنه قال "إن المملكة المتحدة مستعدة للخروج وفق الآلية القائمة بين أستراليا والاتحاد الأوروبي"، أي على النموذج الأسترالي، لكن المصيبة هنا، أنه لم يكن يعرف أنه لا يوجد اتفاق تجاري بين أستراليا والاتحاد أصلا، وإن كان يعرف، فهو بذلك أراد أن يقول بصورة غير مباشرة، إنه سينسحب دون اتفاق. ببساطة، لو تم الانسحاب دون اتفاق، ستتخلف بريطانيا والاتحاد عن التبادل التجاري بشروط منظمة التجارة العالمية، اعتبارا من أول العام المقبل، ما يعني فرض رسوم جمركية مرتفعة متبادلة بين الطرفين، وبالتالي حدوث صدمة اقتصادية شديدة، بفعل هذا الأمر، إضافة إلى الآثار الاقتصادية السلبية التي تركها تفشي وباء كورونا المستجد على جميع الدول. وفي هذه الحالة، ستكون المملكة المتحدة الأشد تأثرا، بينما تواجه - بحسب ريتشي سوناك وزير ماليتها - أعمق ركود اقتصادي منذ 400 عام.
المثير في الأمر هنا، أن الاتحاد الأوروبي سيراقب جميع صادرات بريطانيا الموجهة إليه بعد "بريكست"، سواء تم إبرام صفقة تجارية ما أم لا. لماذا؟ لأن بروكسل لا تريد أن تكون دول الاتحاد مصبا لمنتجات وصادرات آتية من دول أخرى إلى بريطانيا، لا تستند إلى المعايير الأوروبية المعروفة. ببساطة، على لندن أن تقبل باللوائح الأوروبية إذا ما أرادت دخول أسواق الاتحاد. وهذا ينطبق على الخدمات المالية التي تشكل محورا رئيسا للناتج المحلي الإجمالي البريطاني. وهذه النقطة واحدة من تلك النقاط التي تشكل عائقا أمام المفاوضات الراهنة بين لندن وبروكسل. فبريطانيا لا يمكنها أن تحتفظ بأولويتها كمركز لأسواق الجملة المالية دون أن تكون مقيدة بقواعد الاتحاد الأوروبي. والمبرر واضح على الصعيد الأوروبي. فلماذا يقبل الاتحاد الأوروبي بقاء الأرباح في المملكة المتحدة، بينما يتحمل هو المخاطر؟
الأشهر المتبقية من العام الجاري ستكون مليئة بالمشادات والمشاحنات والاهتمامات حتى التهديدات بين بريطانيا والاتحاد الأوروبي. واللهجة الأوروبية المتشددة باتت سائدة على الساحة، في حين أن موقف الحكومة البريطانية لا يزال على حاله والمتمثل في الانسحاب بأي ثمن وأي شكل. وهنا تكمن المشكلة كلها. فلا الأوروبيين سيقبلون بامتيازات تجارية تتمتع بها بريطانيا دون أن تكون جزءا أصيلا من اتفاق واضح، ولا حكومة جونسون مستعدة لتغيير موقفها المتشدد منذ البداية. إنها معركة هي الأهم بالفعل منذ الحرب العالمية الثانية، بحسب مسؤولي الطرفين. معركة قد تصنع عدوا تجاريا، كان على مدى عقود محورا رئيسا في الاتحاد الأوروبي.