قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

دقت وكالات الأنباء خبر إعادة فتح السفارة المصرية في ليبيا، فبدت في الأفق بشارات أمل تقول: إن الضوء قادم، والعودة قريبة جداً، واستعادة مقدرات الدولة باتت على مرمى البصر، وإن إرادة الشعب الليبي هي التي تقرر مصيره، اختيار رئيس المجلس الرئاسي، ورئيس الحكومة، خطوة فارقة وفاصلة.

عودة القاهرة دبلوماسياً إلى طرابلس، تحمل رسائل عميقة على جميع المستويات المحلية والإقليمية والدولية، في مقدمة هذه الرسائل، أن القاهرة تؤكد للجميع أنها تقف على مسافة واحدة من جميع الفرقاء الليبيين، سواء كانوا في الشرق أم الغرب أم الجنوب، وهذا يرسخ الدور والمسؤولية اللذين قدرتهما القاهرة منذ بداية الأزمة في ليبيا، فقد اتخذت مصر وشركاؤها العرب، كل الخطوات التي أدت إلى هذا النجاح غير المسبوق في جميع المسارات الدستورية والاقتصادية والسياسية والعسكرية، وهنا تجدر الإشارة إلى الاجتماعات المكوكية (5+5) التي عقدت في مدينة الغردقة، وانطلقت منها إشارات البداية نحو الحلحلة وتحريك المياه الراكدة، إذ إن هذه الاجتماعات أسفرت عن الخطوة الكبيرة بفتح الطرق والمطارات بين الشرق والغرب، وهذا ما ساعد في بناء الثقة التي أفضت إلى طريق الحل السياسي الذي بدت ملامحه الآن.

أيضاً كان إعلان القاهرة في يونيو الماضي محطة مركزية في مشهد استعادة الدولة الليبية بكل مؤسساتها العسكرية والسياسية والاقتصادية، فقد رسم إعلان القاهرة خريطة الطريق لجميع المسارات، التي تصب في صالح كل الأطراف، وتضمن تحقيق الاستقرار في ليبيا.

من يدقق القراءة في بنود إعلان القاهرة ورسائله المباشرة وغير المباشرة، يتأكد له أن القاهرة كانت لديها رؤية استراتيجية استباقية مدروسة بعناية شديدة، تنطلق في المقام الأول من أهمية وضرورة الحفاظ على أمن واستقرار ليبيا، كجزء رئيسي من الأمن القومي العربي.

لم تكتفِ القاهرة بأنها قدمت تصورات وآراء واستراتيجيات، بل إنها عملت على الأرض مع جميع الألوان السياسية الليبية للوصول إلى نقاط التفاهم والمساحات المشتركة، برؤية أوسع تجمع ولا تفرق، وخير مثال على ذلك، نجاح القاهرة في قيادة محادثات المسار الدستوري، الذي انتهى باتفاق الجميع باستفتاء شعبي على الدستور، وهذا في حد ذاته خطوة تقدمية تؤكد أننا أمام دولة ومؤسسات وإرادة شعب يحدد مصيره، ويكتب خياراته نحو الاستقرار وإعادة بناء الدولة.

إذن نحن أمام مشهد ليبي في مرحلة متقدمة، لم نكن نصل إليها قبل شهور قليلة، وبالتالي، فإن هذا التقدم يحتاج إلى آليات تحميه وتحافظ عليه، وفي الحقيقة، هذه الآليات مسؤولية الجميع، سواء في الداخل الليبي أم في المنطقة العربية أم على مستوى المجتمع الدولي.

فيما يتعلق بآليات الداخل الليبي، فإنه لم تعد لديهم رفاهية إضاعة هذه الفرصة، وعلى الشعب الليبي أن يحمي هذا المسار، بعدم السماح لأي أطراف أو مجموعات تخريبية بصناعة الفتنة بين الشعب الليبي، هذا بالإضافة إلى ضرورة تكتل الليبيين لطرد وإخراج الميليشيات المسلحة التي تتلقى تمويلاً ودعماً خارجياً.

فبقاء هذه الميليشيات سيكون دائماً شوكة في ظهر الاستقرار الليبي، بينما التخلص منها بمثابة المفتاح الحقيقي لإعادة الاستقرار الأمني في ربوع البلاد، وربما هذا ما دعا البعض إلى الدعوة لاتخاذ مدينة سرت مقراً للمجلس الرئاسي والحكومة الجديدة، حتى لا يكونا رهناً لابتزاز الميليشيات في طرابلس.

وفيما يتعلق بآليات الدعم العربي والإقليمي للحفاظ على ما تحقق الآن في ليبيا، فإنني أرى ضرورة أن يكون هناك دعم عربي وإقليمي غير مشروط لجميع مسارات الحل، والعمل بكل قوة لإنقاذ الأمن القومي الليبي، الذي هو بدوره إنقاذ للأمن القومي العربي الإقليمي.

أما آليات الدعم التي يجب أن يقدمها المجتمع الدولي، فتتمثل في أهمية الضغط الحقيقي على أطراف خارجية لوقف إرسال المرتزقة والإرهابيين إلى الغرب الليبي، فضلاً عن ضرورة تقديم الدعم للمؤسسات التنفيذية الليبية، لتقوم بواجبها تجاه مكافحة الإرهاب، والهجرة غير الشرعية، التي يستخدمها البعض ورقة لابتزاز الدول الأوروبية.

في النهاية أقول: إن ما قطعته الدبلوماسية المصرية والعربية من خطوات على المسار الليبي، إنما هو إنجاز كبير يمكن البناء عليه، والوصول إلى المحطة الأخيرة التي يرجوها الشعب الليبي، بإجراء الانتخابات الرئاسية والتشريعية، حتى تعود ليبيا إلى شعبها وحضنها العربي.