الاجتماع الأخير لمجموعة «أوبك+»، والذي عقد الأسبوع الماضي لم يستمر أكثر من 20 دقيقة، وهو أسرع اجتماع في تاريخ المنظمة، مما يشير إلى قناعة كافة الأعضاء باستمرار العمل بالاتفاق السابق الخاص بالتخفيف التدريجي لقيود الإنتاج، حيث يأتي ذلك في ظل تنامي الطلب بأسرع من التوقعات، مما أدى إلى ارتفاع سعر البرميل ليتجاوز 70 دولاراً للمرة الأولى منذ شهر مارس الماضي.
ما هي التوقعات والاستنتاجات التي يمكن الخروج بها بشأن أسعار النفط للأشهر المتبقية من هذا العام والعام القادم 2022؟ تلك التوقعات والنتائج التي ستلقي بظلالها على الاقتصاد العالمي بشكل عام وعلى الاقتصادات النفطية، بما فيها اقتصادات دول مجلس التعاون الخليجي بشكل خاص. لسبر غور هذه المسائل باختصار، يمكن الإشارة إلى بعض التطورات الحالية أو المتوقعة قريباً للبناء عليها والخروج بنتائج أقرب إلى الواقع، بغض النظر عن التحليلات التي تحاول التأثير في الأسواق بهدف المضاربة.
أول هذه العوامل أنه لا توجد طاقة إنتاجية فائضة كبيرة، حيث يتركز هذا الفائض عند دول مجلس التعاون بصورة أساسية، وتحديداً السعودية والإمارات والكويت. أما باقي الدول فقدراتها في هذا الجانب محدودة، كما أن الاستثمارات البترولية من قبل شركات النفط الكبرى كانت شبه معدومة في السنتين الماضيتين، وذلك بسبب الانخفاض الحاد في الطلب وتدهور الأسعار الناجم عن «جائحة» كورونا، وبالتالي، فان ضخ استثمارات جديدة لزيادة الإنتاج بحاجة لبعض الوقت، مما يعني أن زيادة الإمدادات ستبقى محدودة جداً في الفترة المقبلة.
العامل الآخر يكمن في التوقعات الخاصة بعودة تصدير النفط الإيراني بعد الاتفاق المتوقع مع الولايات المتحدة حول برنامجها النووي، وهذه مسألة أخذت بعين الاعتبار عند اتخاذ قرارات «أوبك+» الأخيرة، مما يعني أنها أدرجت عملياً ضمن سقف الإنتاج للمنظمة، ولن تكون هناك أية مفاجآت تتعلق بهذه المسألة، علماً بأن حقول النفط الإيرانية بحاجة لإعادة تأهيل بسبب توقف بعضها وتضرر البعض الآخر الناجم عن العقوبات.
العامل الثالث، هو أن الأشهر القليلة القادمة ستشهد انفتاحاً كبيراً لحركة الاقتصاد العالمي، فبفضل التطعيمات والإجراءات الاحترازية أمكن تحقيق تقدم كبير نحو التعافي، وبالأخص في الاقتصادات المتقدمة والناشئة، وهو ما أدى إلى ارتفاع الطلب على النفط، والذي يتوقع أن يستمر خلال الشهرين القادمين لتلبية الطلب المتنامي من جهة، وملء الخزانات استعداداً لفصل الشتاء من جهة أخرى، مما قد يزيد الفجوة بين العرض والطلب إذا لم تقم دول «أوبك+» بزيادة الإنتاج بما يفوق خطة تخفيف قيود الإمدادات التدريجية.
بالإضافة إلى ذلك، هناك تراجع في إنتاج النفط الصخري بالولايات المتحدة الأميركية نتيجة لخطط إدارة الرئيس جو بايدن للتقليل من إنتاج الوقود الأحفوري بسبب المناخ، وهو ما أدى إلى تراجع مخزونات الخام هناك بأكثر من خمسة ملايين برميل وفق معهد البترول الأميركي.
نتيجة لذلك، فان بيانات «أوبك+» تبين أن الطلب سيرتفع نهاية هذا العام إلى 99 مليون برميل يومياً تقريباً، مقابل معروض يبلغ 97.5 مليون برميل، وهو ما قد يدفع بالأسعار لتصل إلى 75 دولاراً للبرميل في الربع الأخير من العام الجاري، وذلك رغم الحذر الذي أبدته «أوبك+» بشأن ارتفاع الطلب، وهي مسألة مفهومة لدفع الأعضاء للالتزام بالقيود المتفق عليها حالياً.
إذن يقف العالم، وبالأخص الدول المنتجة للنفط أمام انتعاشة اقتصادية متوقعة في النصف الثاني من العام الجاري والعام القادم، وهو سيؤدي إلى تجاوز معظم تداعيات فترة «كورونا» والتي ألقت بظلال قاتمة على الأوضاع الاقتصادية الدولية، بالإضافة إلى الخسائر البشرية، كما أن هذه التطورات ستوفر ظروفاً مواتية لبلدان مجلس التعاون الخليجي لضخ استثمارات جديدة لتعزيز التنوع الاقتصادي وتوفير المزيد من الوظائف، فالانتعاشة الحالية لأسعار النفط تتيح فرصة أخرى للتنوع الاقتصادي لا بد من استغلالها، فالتطورات المستقبلية تشير إلى استمرار التغيير في ميزان الطاقة العالمية لصالح البدائل المتجددة من الطاقة.
* مستشار وخبير اقتصادي