قيمة القرارات الدستورية التي اتخذها الرئيس التونسي قيس بن سعيد لا تنحصر بمردودها على الداخل التونسي فحسب؛ بل أسهمت ضربته القانونية في كشف الخطاب المضمر للتيار الإخواني في العالم الإسلامي. كتبتُ مراراً عن نجاح «الإخوان» في ترويج خطابهم المدني لدى المجتمع الغربي؛ يمكن فقط قراءة ملاحظات الباحث الأميركي عن «الإخوان» وطريقة فهمه لهم باعتبارهم من النسيج المدني. انظر مذكراته «الأرض الموعودة»، ومن قبله أسراب من الباحثين الغربيين والفرنسيين بخاصةٍ حين يقرأون التجربة الإخوانية بوصفها نتيجة للديكتاتورية يصح ذلك على أوليفيه روا، وآلان غريش، وجيل كيبل، ولاكروا، وغيرهم كثير.
في عام 2018 ترجم كتاب المحللة البريطانية أليسون بارجتير بعنوان: «الإخوان المسلمون وحركة النهضة.. الانكفاء إلى الظل». والكتاب كما في المقدمة ألفته بناء على منحة بحثية من مؤسسة «سميث ريتشاردسون» لتستكمل به المؤلفة كتابها الأقدم «الإخوان المسلمون».
المؤلفة بدت متأثرة بشكل مكثف بطروحات الإخوانيين، فقد التقتهم أثناء تأليفها للكتاب وسمت منهم أسامة حداد ومحمد سودان من الجماعة المصرية، ومحمد عبد الملك والأمين بلحاج من جماعة «الإخوان» في ليبيا، وعامر العريّض وسيد الفرجاني ووليد البناي من حركة «النهضة»، ومالت لهم أكثر من تأثرها بالنظرة المناوئة لهم، حيث التقت أعلية علاني مثلاً وهو ناقد لـ«الإخوان».
تقول المؤلفة أن النهضة حزمت أمرها بوضوح في أن العلمانية – رغم نفورها من هذا المصطلح – هي الطريق الوحيدة للنجاة سياسياً. الحق أن النهضة باشرت كما يظهر في عملية إعادة اختراع نفسها، والغنوشي باشر في الترويج لفكرة أن الحركة حزب ديمقراطي مسلم. وما من شك في أن هذه التحركات ستلقى في الأغلب الأعم استحساناً مُتَوَاصلاً في الساحة الدولية.
بل زعمت أن هذه التوفيقية أو (الوسطية) وهو مفهوم تبناه «الإخوان» بعد 11 سبتمبر (أيلول) ،2001 مكنت النهضة ومنحتها قوتها وتميزها عن الأحزاب السياسية الأخرى العاملة في الساحة، التي عجزت عن الوصول إلى ما هو أبعد من نخبة ضيقة، وعلى حين ستبقى النهضة قوة كبيرة داخل تونس، فإن التحدي المحوري الذي يجابهها هو ببساطة الحفاظ على تماسكها، على حد وصفها.
والعجب نجاح النهضة بترويج مقاومتهم للعنف والإرهاب، وانطلت هذه الحيلة على الباحثة الفاضلة حيث تقول بسذاجة متناهية: «تبنَّت النهضة، في الوقت نفسه، مقاربة أكثر حدةً إزاء التطرف، ومن ذلك إدانتها (داعش)، أو (الدولة الإسلامية في العراق والشام). وهذا إلى حدٍّ ما مثِّل رحيلاً عن معسكر الإسلاميين. هذا لا يعني أن النهضة أو «الإخوان» لم تنتقدا التشدد من قبل؛ فلطالما أدانتا الإرهاب، وسعتا إلى النأي بنفسيهما عنه». ثم تضيف مدافعةً عنهم: «إن اعتبرت جماعة (الإخوان) في مصر منظمة إرهابية، فإنه لا دليل مباشراً على أن الجماعة قد اشتركت بصورة مباشرة أو غير مباشرة في أي هجمات إرهابية حدثت في مصر بعد سقوط مرسي. فتقليدياً اتخذت الجماعة بصورة عامة موقفاً يتمثل في أن أفضل طريقة للتعامل مع المتشددين الإسلاميين هي بفهم أنهم شبان متحمسون حملهم الدين بعيداً وبالوسع إعادتهم إلى الصراط المستقيم إذا ما بينت لهم الطريقة (الصحيحة) لتفسير الإسلام. وهذه هي مقاربة الغنوشي حيال السلفيين قبل عودته إلى تونس، وفي المرحلة الأولى من حكم النهضة»!
هذه نماذج يسيرة من خلاصات الكتاب حيث السعي الحثيث لتبرئة «الإخوان» من تهم الإرهاب. لذلك قلت في بداية المقال إن قرارات الرئيس قيس كشفت للبسطاء والطيبين عن البعد الوحشي لحركة النهضة تحديداً والتي تسميها الباحثة الحركة «الأكثر استنارةً» بينما يواجه قادتها تهم القتل والفساد والثروة غير المشروعة وسواها من الوقائع المافيوية الدامية. (سؤال: من اغتال شكري بلعيد؟!).
قدم الرئيس قيس لتونس خدمة كبرى ستظل في ذاكرة التونسيين، وقدم للمسلمين كل المسلمين وللعالم كشفاً كاملاً عن الحركة الإخوانية الإرهابية. لقد كشف عنها الغطاء ولن يضلّ عن إدراك وحشية الحركة إلا من أبى وطبع على قلبه فهو في غشاوة، والأيام حبلى بالمزيد.