قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

لا نستطيع الجزم أننا قطعنا شوطاً كبيراً في تحصين الأمن القومي العربي بصيغته التقليدية الذي خلصت إليه مجموعة عمل من الخبراء تنفيذاً لقرار اجتماع الجامعة العربية على مستوى القمة رقم 336، بشأن الأمن القومي العربي المنعقد في القاهرة خلال الفترة (18-19 يوليو 2007)، باقتراح تعريف مفهوم شامل لـ «الأمن القومي العربي» أنه «قدرة الدول العربية مجتمعة كلياً أو جزئياً على الدفاع عن نفسها وحقوقها وصيانة استقلالها وسيادتها وسلامة أراضيها وتقوية ودعم هذه القدرات بتنمية الإمكانات العربية في مختلف المجالات السياسية والاقتصادية والأمنية والاجتماعية والثقافية والتقنية، استناداً للخصائص الجيوسياسية والسياسية والحضارية، التي تتمتع بها أخذاً بالاعتبار الاحتياجات الأمنية الوطنية لِكُلّ دولة والإمكانات المتاحة والمتغيرات الداخلية والإقليمية والدولية، التي تؤثر على الأمن القومي العربي الذي يعتبر الركن الأساسي في الأمن الإقليمي وفي استقرار المنطقة»، أو باعتباره مفهوماً للحفاظ على الانتماء القومي وتعزيز الهوية العربية، وأنه يمثل عنصراً أساسياً في الربط بين الدول العربية وصيانة مصالحها الوطنية والقومية وتحقيق نمائها.
يمكن مطالعة عدد كبير من التحليلات التي حاولت تحديد أهم التهديدات التي يواجهها الأمن القومي العربي كالإرهاب وأدواته ووسائله، والتهديد النووي والاختراق الإيراني لدول عربية كالعراق واليمن ولبنان وسوريا، والفتنة الطائفية في عدد من الدول العربية التي توجد بها إثنيات عرقية وطائفية، وكذلك التدخلات الأجنبية المباشرة والتهديد الناجم عن الهجرة وتزايد عدد اللاجئين العرب من أثر الأزمة السورية وغيرها، إضافة إلى الحروب الوشيكة بسبب النزاع على المياه والخلافات على الحدود وغيرها من التهديدات الأخرى.
لا شك أن بعض الدراسات السابقة، قبل عام 2020، كانت ترى أن إسرائيل هي أحد مهددات الأمن القومي العربي، ولكن المتغيرات التي جرت خلال السنوات القليلة الماضية، ومنها توقيع إسرائيل اتفاقيات سلام مع كل من الإمارات والبحرين والسودان والمغرب، والتي كسرت جمود سنوات طويلة منذ كامب ديفيد مع مصر (1977) ووادي عربة مع الأردن (1994)، تجعلنا نقرر أن التهديد الواقعي من الجانب الإسرائيلي هو في المزيد من المماطلة لحل الدولتين، وعدم السعي الجاد لتوقيع اتفاقيات سلام مع جميع الدول العربية خاصة الخليجية بما يضمن السلام العادل والدائم. والسعي الذي نتحدث عنه هنا يعني بكل وضوح، أن تبذل الحكومة والكنيست الإسرائيلي المزيد من الجهود الواضحة والمبادرات الحيوية لحل النزاع وتوقيع اتفاقيات سلام مع الدول التي لم توقع لغاية الآن.
نتحدث عن التهديدات الحقيقية الواقعية للأمن القومي العربي بهدف إيجاد الحلول العملية لها، في مسار منفصل غير عاطفي، فتهديد الإرهاب وأدواته ووسائله كتنظيم «الدولة الإسلامية»، هو نابع من تهديد أكبر نشأ مع نشأة الفكر المتطرف، فكما أنجب تنظيم الإخوان المسلمين خلال الفترة (1928- 1965) الجماعات التكفيرية و«السلفية الجهادية» التي كانت الأساس في ظهور تنظيم «القاعدة»، ولعب الفكر «الإخواني» المتطرف دوراً خطيراً خلال فترة «الربيع العربي»، والذي ما زالت آثاره في ليبيا وتونس واليمن وغيرها لغاية الآن، فإن تهديد الفكر المتطرف المتشدد سوف يظل قائماً إلى أن تعي كل الدول العربية، أن الانحراف الفكري الديني، وتشريع منظومات الإسلام السياسي بإفساح المجال للجماعات الدينية أن تحظى بمنابر سياسية سوف يفاقم هذا التهديد الخطير، ويجعل من مصادره دائمة في توليد المزيد من الفكر المتطرف، والذي لا يهدد الدولة وحدها فحسب، بل الأمن القومي العربي عموماً.
لتفسير ذلك، فإن التهديدات الأخرى الخارجية على الأمن القومي العربي تستند بصورة أساسية على الفكر المتطرف، سواء بدعمه وتوجيهه وتنميته كسلاح إضافي، كتوجيه «حماس» و«حزب الله» و«الحوثية» و«الحشد الشعبي» و«الإخوان» وغيرهم أو لاستخدامه فزاعة لمهاجمة الدول العربية، وكذلك هناك من يقوم بمحاربة الفكر المتطرف بصورة غير مباشرة من خلال منظمات دولية تضع أفكار ومناهج مختلفة عن مناهج وسياسات الدول العربية نفسها، ما يؤدي إلى المزيد من الاضطراب والتشويش، كنشوء ما يدعى بـ الإسلاموفوبيا (رهاب الإسلام)، ونشوء فريقين دوليين أحدهما يكرّس الكراهية والخوف من الإسلام والآخر يدافع عنه فيظهر وكأنه جزء منه.
بالطبع، وكما ذكرنا في مقالات سابقة، فإن التهديدات الإيرانية التقليدية، التي كانت ترد في معظم التحليلات، هي في طريقها خلال هذه المرحلة (2021) إلى تغييرات عديدة، من شأنها أيضاً إعادة صياغة العلاقات الاستراتيجية بين إيران ودول الخليج من ناحية، وكذلك بين الأمن القومي الإيراني والأمن القومي العربي، من ناحية أخرى.