قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

تم منح جائزة نوبل في الاقتصاد هذا العام لثلاثة باحثين، نتيجة أعمالهم المتعلقة بالتجارب الطبيعية ودراسات الأصول العلمية والمنطقية بين العلاقة والسببية، وارتباط ذلك بالتجارب الطبيعية.
ما المشكلة التي تعالجها أبحاث هؤلاء العلماء؟ وما الحاجة إلى التجارب الطبيعية؟ وما المشكلات المنطقية في مفهومي العلاقة والسببية؟
نبدأ أولا بالتذكير، أن علم الاقتصاد مبني على دراسة مسببات الأشياء، وذلك للتمكن من التنبؤ بالنتائج المستقبلية، لكون الباحث الاقتصادي يهتم بأمور، مثل: معرفة العوامل المؤثرة في نسبة البطالة، ومدى تأثير تغير كل عامل في مستوى البطالة، فهل تزداد البطالة، على سبيل المثال، عندما ترتفع أسعار الفائدة؟ مثل هذه الاستنتاجات تعين متخذ القرار على معرفة العلاقة بين الأمرين، وبالتالي يستطيع محاولة التحكم في تحرك هذه العوامل ومحاولة السيطرة عليها، ربما بعدم رفع أسعار الفائدة كي لا ترتفع نسبة البطالة، هذا إن كانت هناك علاقة سببية بين الاثنين.
الفرق بين العلاقة والسببية موضوع مهم جدا، لكون كثير من الناس العاديين، وكثير من صناع القرار للأسف يقعون في هذا الخطأ الكارثي في بعض الأحيان. ما المقصود بالعلاقة؟ وما المقصود بالسببية؟
قد تجد علاقة بين أمرين، وتعتقد أن أحدهما هو المتسبب في الآخر رغم عدم وجود أي علاقة حقيقية بين الاثنين. مثلا، لو وجدنا أن أكل الفواكه يزداد في الأشهر التي ترتفع فيها درجات الحرارة، وينخفض في الأشهر التي تنخفض فيها درجات الحرارة، فهل نقول: إن ارتفاع درجات الحرارة يتسبب في قيام الناس باستهلاك كميات أكبر من الفواكه؟
هذا مثال لبعض الأخطاء المنطقية الشائعة، التي ينظر فيها الشخص إلى العلاقة ومن ثم يخرج باستنتاج غير حقيقي. صحيح أنه ربما هناك علاقة وجدناها في دراسة بيانات الفواكه، وبالفعل تبين أن مبيعات الفواكه تزداد مع ارتفاع درجات الحرارة، وهذه علاقة حقيقية لا لبس فيها. الخلل هو في الاستنتاج الذي أيقن أن درجة الحرارة هي التي تتسبب في زيادة استهلاك الفواكه، بينما لم يبذل الجهد الكافي للبحث عن مسببات أخرى، قد تكون هي المتسببة الفعلية. مثلا، هنا ربما سبب زيادة استهلاك الفواكه هو أن إنتاج معظم الفواكه يبدأ بالنزول إلى الأسواق في الصيف مع ارتفاع درجات الحرارة، فالناس يأكلون الفواكه، لأنها متوافرة في الأسواق وليس بسبب ارتفاع درجات الحرارة.
كثير من الصعوبات التي تواجه الباحثين الاقتصاديين تكمن في معرفة السبب، وليست العلاقة التي يسهل جدا اكتشافها من رسم بياني أو جدول بيانات. السببية تتطلب التأكد من جوانب عدة، عندما نكتشف علاقة معينة بين أمرين، وأول هذه الجوانب هو أن الأمرين بالفعل يتغيران مع بعض، صعودا أو هبوطا. الجانب الثاني هو أن تكون العلاقة معقولة. في مثالنا هذا، العلاقة تبدو معقولة، لكون الفواكه الباردة تساعد على تخفيف الحرارة عن الجسم، لكن في حالات أخرى قد لا تكون العلاقة معقولة، من ذلك المثال الكلاسيكي الذي ربط بين مبيعات “الآيسكريم” ومبيعات النظارات الشمسية، حيث توصل الباحث إلى أن زيادة أكل “الآيسكريم” تؤدي إلى زيادة مبيعات النظارات الشمسية. هنا العلاقة غير معقولة، لكونه من غير الواضح علاقة استهلاك “الآيسكريم” بلبس النظارات،
الجانب الثالث للتأكد من أن العلاقة الظاهرة بين أمرين يمكن تحويلها إلى سببية، وليست فقط مجرد علاقة، هي أن السبب يجب أن يأتي قبل النتيجة، فهل ارتفاع درجات الحرارة التي عددناها سببا في زيادة استهلاك الفواكه، يسبق تناول الفواكه؟ في مثالنا الجواب نعم، لأننا بدأنا نلحظ زيادة استهلاك الفواكه عقب ارتفاع درجات الحرارة، لكن في حالات أخرى خاطئة قد نجد أن البعد الزمني غير صحيح.
الجانب الرابع والمهم، هو عدم وجود ما يعرف بالعامل الآخر، أو العامل المشترك، فربما هناك عامل آخر هو الذي تسبب في كلا الأمرين. في مثال ارتفاع مبيعات “الآيسكريم” وارتفاع مبيعات النظارات الشمسية العامل المشترك بالطبع هو حرارة الصيف، التي تجعل الناس يأكلون “الآيسكريم” بكثرة، وكذلك يلبسون النظارات الشمسية بكثرة. وكذلك في مثال تناول الفواكه، العامل المشترك هو أن أشجار الفواكه تثمر في الصيف، وبالتالي تزداد الفواكه في الأسواق في أشهر الصيف، وفي الوقت نفسه فترة الصيف هي فترة ارتفاع درجات الحرارة في معظم دول العالم.
كيف تسببت السببية في منح الجائزة لهؤلاء العلماء الثلاثة؟
منذ عشرات الأعوام وهؤلاء الباحثون منشغلون في مسألة الاختلاف بين العلاقة والسببية، وكيفية إجراء الأبحاث لدراسة السببية، وعدم الاكتفاء بمقولة: إن العلاقة لا تعني السبب التي غالبا يتوقف عندها العلماء. فمثلا هل ارتفاع ضريبة القيمة المضافة يؤدي إلى زيادة البطالة في المملكة؟ كيف للباحثين الاقتصاديين إجراء تجارب لدراسة هذا التأثير؟
كما ذكرنا في العلوم الطبية، يمكن بسهولة نسبية تكوين فريقين من المتعاونين وإعطاء الدواء قيد الدراسة لفريق وإعطاء الفريق الآخر دواء وهميا، ومن ثم مشاهدة تأثير النتيجة في الفريقين. في مثال ضريبة القيمة المضافة، لا نستطيع فرض ضريبة على فريق من الناس ومن ثم ننتظر تأثير ذلك في مستوى البطالة لديهم.
الحل يكمن فيما يعرف بالتجارب الطبيعية، وهي التي تميز بها ديفيد كارد، الذي حصل على نصف الجائزة، وذلك في اعتماده على بيانات طبيعية حقيقية وليست بيانات نظرية عشوائية، وذلك للخروج باستنتاج معين. فمثلا، الحل الذي أمامنا في مثال تأثير الضريبة في البطالة هو البحث عن بيانات فعلية لنطاق معين تم تطبيق الضريبة فيه، ومن ثم ندرس التأثير الفعلي لذلك في البطالة داخل ذلك النطاق. مثلا، قد ندرس تجربة دولة مجاورة ومشابهة لنا، أو ندرس حالات أخرى شبيهة بآلية الضريبة، كدراسة تأثير فرض رسوم جمركية أو ضريبة دخل أو حتى فرض رسوم خدمات أو غيرها.
ورغم أهمية أبحاث ديفيد كارد والاثنين الآخرين في مسألة التجارب الطبيعية، إلا أن التجارب الطبيعية محدودة في توافرها للدراسة، بمعنى أين لنا أن نجد حالة مشابهة لاقتصادنا لمعرفة تأثير الضريبة في البطالة؟ والأهم من ذلك، أن التجارب الطبيعية فيها تحديات خاصة بها تختلف عن التجارب المختبرية التي يمكن السيطرة عليها بشكل يحقق أهداف البحث بشكل أفضل، وبشكل يساعد أكثر على تحديد السبب. هذا إضافة لمشكلة أخرى أكبر من ذلك وهي، أن التجارب الطبيعية تخالف مفهوم التجربة العلمية التي تتطلب المقدرة على إعادة إجراء التجربة للتأكد من حدوث النتيجة نفسها، وبالطبع لا نستطيع إعادة أحداث قرار اقتصادي تم اتخاذه لنعرف إن كانت النتيجة ستكون واحدة.
ختاما، الخلط بين العلاقة والسببية أمر مشاهد على جميع المستويات، ويزداد الأمر سوءا عندما تتخذ قرارات فردية أو مؤسسية مبنية على استنتاجات خاطئة بسبب هذا الخلط، وسبب منح الجائزة لهؤلاء العلماء الثلاثة هو أنهم قدموا أسسا علمية وتجارب ميدانية لمنح الشرعية العلمية للتجارب الطبيعية.