حددت الأمم المتحدة العاشر من شهر أكتوبر الحالي كيوم للصحة النفسية، وهذا التوقيت يأتي قبل الاكتئاب الموسمي الذي يبدأ في نوفمبر ويستمر في فصلي الخريف والشتاء، وهو يصيب 20 % من الناس بحسب التقديرات الدولية، وتختلف تفسيرات المختصين حول أسباب الزيادة في الاعتلالات النفسية، ما بين اتهام للإنترنت بتعطيل عملية نقل المهارات الاجتماعية في التعامل مع الصدمات من العائلة إلى أبنائها، وإشغالهم عن الأنشطة العائلية بالواقع الافتراضي وألعاب الأونلاين، وبين من يعتقد أنها تتعلق باختلال في كيمياء المخ، أو يرجع المسألة إلى الجينوم البشري، ووجود أكثر من مئة جين تعمل على توريث الاستعداد للمرض النفسي.

الرازي وابن سيناء هما أول من تكلم من المسلمين عن الاضطرابات النفسية. واُستخدم مستشفى الأمراض النفسية ضمن السياقات السردية في مسرحيتي هاملت وماكبث لشكسبير، وذلك في إطار مناقشة الحدود الفاصلة بين العقل والجنون، والمرض النفسي ليس عيباً، فقد أصيب به الأديب الفاخر إرنست هيمنغوي، صاحب جائزة نوبل للأدب عام 1954، ولانه لم يراجع مختصاً انتهى به الحال منتحراً في قبو منزله، ولعل أول مستشفى لعلاج الأمراض النفسية في العالم العربي كان في دمشق أيام الأمويين، وتحديداً في زمن الوليد بن عبدالملك عام 770 ميلادية، وكانوا يسمونه مارستان، ويتعاملون مع العشق باعتباره جنوناً.

يوجد في المملكة أكثر من عشرين مستشفى للصحة النفسية وبسعة تصل إلى 6 آلاف سرير، وفيها قرابة 900 طبيب نفسي وألفا مختص نفسي واجتماعي، وكلفة الكشف والجلسات النفسية تتراوح ما بين 53 و133 دولاراً في القطاع الطبي الخاص، وهذه الأرقام تعتبر جيدة عند مقارنتها بمثيلاتها في المنطقة العربية، ولكنها ليست كافية.

فالإحصاءات المحلية تؤكد أن أعداد المراجعين للعيادات النفسية في عام 2019 تجاوزت النصف مليون مراجع، وأنها في الوقت الحالي تضاعفت ست مرات بفعل جائحة كورونا، وربما ارتفعت موازناتها العالمية من تريليون دولار في العام، قبل كورونا، إلى ستة تريليونات.

قد اتفق مع من يرى أن المرض النفسي يختلف من شخص لآخر، وأنه لا يضر إلا صاحبه في معظم الحالات، وبالتالي فعناية عائلته والمتابعة المنزلية تؤدي الغرض، ولكن هذا الاتفاق لا يلغي وجود مرضى نفسيين يحتاجون إلى الحجز في المستشفيات، لأنهم يمثلون خطراً على أنفسهم وعلى المجتمع بأكمله، وهؤلاء لن تفيد معهم لا المسكنات ولا الإيداع المؤقت، وهم زوّار شبه دائمين للمصحات النفسية، ومن بينهم أشخاص ارتكبوا جرائم بشعة، والسبب هو التساهل في تشخيص اضطراباتهم وإخراجها من دائرة الحالات الحادة والحرجة حتى تنتكس، وكذلك عدم وجود تشريع يحمّل الطبيب المعالج مسؤولية إخراجه لمريض يشكل خطراً على غيره، بالإضافة لغياب وحدات الإرشاد والتوجيه النفسي عن الهياكل الإدارية للجهات الحكومية والخاصة، وبما يضمن رصد الظواهر النفسية الخطرة وتحييدها.

مواضيع قد تهمك :