يتفق معظم الفلاسفة والمفكرين على أن صناعة السلام أكثر صعوبة من قرار الحرب، وقد يكون هذا هو السبب أن شرق الكرة الأرضية، خاصة روسيا والصين، لم يجد وسيلة واحدة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، وبداية الحرب الباردة، لصناعة سلام حقيقي مع غرب الكرة الأرضية، خاصة الولايات المتحدة الأميركية.

في الحرب، وبقرار تم التخطيط له جيداً أو كان قراراً مفاجئاً، يتم الزج بالجنود إلى ساحة المعركة، ويجلس صاحب القرار ينتظر النتائج، أما صناعة السلام، فتحتاج من صاحب القرار عملاً طويلاً وجهداً مضنياً في وضع الرؤى والاستراتيجيات التي تضمن المصالح العليا للدولة، وتضمن في الوقت ذاته قبول الطرف الآخر، وبما يتفق مع مصالحه العليا الإستراتيجية، وفي الوقت ذاته هناك عشرات التفصيلات التي يدخل إليها الشيطان ليصور صعوبة صناعة السلام، وأقلها يسأل: كيف يمكن صناعة السلام مع بلد ما هو صديق أو حليف لبلد آخر يكن العداء للدولة التي تنشد السلام؟

رجال السياسة يجيبون: مستحيل. أما المتمرسون الخبراء، من القيادات التي فطرت على الدبلوماسية السياسية الحقيقية، فجوابهم: كل شيء ممكن.

بالطبع، هناك فرق لم يميزه علماء السياسة وخبراؤها بين البراغماتية والرؤية الاستراتيجية التي تتضمن الحرب والسلام في آن معاً، فهل الرئيس الروسي فلاديمير بوتين شخصية براجماتية أم أن لديه مخططاً مدروساً وشاملاً يتضمن الحرب والسلام، وأنه لن يتخذ قراراً مفاجئاً بإعلان الحرب على أوكرانيا، كما تؤكد معظم التحليلات والتقارير الاستخبارية والسياسية؟

في الجانب الآخر، أي في الجنوب الشرقي للكرة الأرضية، وتحديداً في منطقة الشرق الأوسط، التي يجري إعادة بنائها سياسياً من جديد، ومع اتصالها الجيوسياسي الوثيق مع روسيا وأوروبا وأميركا، تؤثر الرؤى الاستراتيجية العميقة لصاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة الإماراتية، في تصحيح بنية النظام الإقليمي الذي يعيد التوازن في بنية النظام العالمي، الذي كان بالأمس أحادي القطب، فأصبح خلال عشر سنوات، أي منذ العام 2012، عالمي الشبكة، وتحولت خلاله دولة الإمارات العربية المتحدة من (مملكة وإمارة خليجية)، كما كان يطلق عليها المحللون الغرب، إلى لاعب دولي وإقليمي مُحفِزّ، قوي بقيادته وجيشه وشعبه وسياسته واقتصاده.

الذين لا يفقهون في السياسة قيد أنملة، ظنوا أن دولة الإمارات كانت لديها سياسة معينة ثم بدلتها، لذلك لم يفهموا كثيراً من القرارات الإستراتيجية الكبرى التي صدرت عن دولة الإمارات خلال السنوات العشر الماضية، أما الذين يعلمون منذ أن رفضت الإمارات التدخل الأميركي في مصر عام 2013، ومحاولة زرع «الإخوان» بالقوة على سدة الحكم هناك، ورؤى الإمارات الأخرى السياسية والديبلوماسية تجاه سوريا والعراق وليبيا والسودان، ومحاصرة الجماعات الإرهابية جميعاً ومطاردتها وتجفيف منابع تمويلها، وتفتيت جماعة «الإخوان» الإرهابية في كل مكان، ومنع إيوائهم ورعايتهم، وكذلك كل الجماعات التي تستعمل الدين لمصالحها الشخصية الضيقة كـ«حزب الله» و«حماس» و«الحوثية» وغيرها، فهؤلاء أدركوا مبكراً أن دولة الإمارات العربية المتحدة، كانت تنفذ استراتيجيتها الكبرى تجاه إقليم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، ضمن الشبكة العالمية المتوازنة، والتي تضمنت هدفاً أساسياً هو صناعة السلام في بيئة مهيئة للسلام.

لذلك لا يبدو غريباً أو مستهجناً سقوط كل النظريات الغربية تجاه علاقة دولة الإمارات مع تركيا، والتي تنبأت مرات كثيرة أن يتحول الصراع السياسي خلال السنوات الخمس الماضية إلى حرب بين الطرفين، وتفاجأوا حين شاهدوا بأم أعينهم صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان يُستقبل استقبالاً حافلاً تاريخياً في أنقرة، في نوفمبر 2021، ثم تفاجأوا أكثر بأبوظبي تستقبل الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، في فبراير 2022، استقبالاً يليق بتركيا، اللاعب المهم في الشرق الأوسط، عضو «الناتو»، وصديق روسيا وإيران وإسرائيل أيضاً، فتذهلهم حجم الشراكة والتعاون الاستراتيجي السياسي والاقتصادي بين البلدين، ويفهموا أن الإمارات لم تبدل سياستها، بل هي ماضية في رؤيتها العميقة لصناعة السلام وتصحيح بنية النظام الإقليمي.

الأيام القليلة القادمة قد توضح أنه ليس هناك ثمة حرب بين أميركا وروسيا، ولكن السنوات العشر القادمة ستوضح حتماً أن دولة الإمارات العربية المتحدة مع شركائها وحلفائها وأصدقائها وجيرانها، قد تمكنت من صناعة سلام عظيم، تستحقه شعوبها وأجيالها القادمة.