قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

قبل يومين قدم ممثلان عن فنلندا والسويد رسالتين رسميتين من حكومتي البلدين إلى حلف شمال الأطلسي "الناتو"، تطلبان فيهما الانضمام إلى الحلف في أسرع وقت.

تأتي هذه الخطوة بعد شهرين من شن روسيا حرباً على أوكرانيا بذريعة منع تمدد "الناتو" إلى حدودها، فهل يمكن اعتبار الخطوة محطة فاصلة في الحرب، وبالتالي فشلاً للاستراتيجية الروسية؟

يجمع المراقبون على أن الحرب التي شنها الرئيس الروسي ڤلاديمير بوتين على أوكرانيا لم تسر كما كان مخططاً لها. فـ"رحلة الاستجمام" التي كانت تتوقعها القيادة الروسية لقواتها التي غزت أوكرانيا، تحولت إلى جحيم احترقت فيه "العملية العسكرية الخاصة" التي كان مقرراً لها، وفق كل المعلومات المتقاطعة، ألا تدوم أكثر من بضعة أيام قبل أن تحكم السيطرة على العاصمة كييف، لتسقط الحكومة الأوكرانية، وتحل مكانها حكومة مؤلفة من مؤيدين لموسكو.

ما عادت الحرب "رحلة استجمام" تقوم بها القوات الروسية التي كان أداؤها ضعيفاً وعملياتها مفككة، بل صارت حرباً بدأ بعض المراقبين والخبراء العسكريين في كبريات الجامعات الغربية يعتبرونها حرب استنزاف بين روسيا وأوكرانيا. هذا الواقع غيّر من طبيعة الحرب وأهداف "العملية العسكرية الخاصة" المعلنة، ما أدى في نهاية الأمر إلى إلحاق ضربات مؤلمة بالقوات الروسية في أكثر من مكان، لا سيما على جبهات المدينتين الكبريين كييڤ وخاركيف. هاتان المدينتان خرجتا من دائرة الخطر المحدق، كما أن جبهات القطاع الشرقي في منطقة الدونباس بقيت، رغم كل المحاولات الروسية المكثفة، مستقرة نوعاً ما، وتشهد عمليات كر وفر من دون أن تتحقق فيها مكاسب استراتيجية لأي من الطرفين.

بالطبع المكسب الأساسي يبقى للطرف الأوكراني الذي يصب في مصلحته تعثر الجيش الروسي المستمر، وعجزه رغم تفوقه الحاسم على مستوى الأعتدة والإمكانات العسكرية. فكلما تعثر الروس وتأخر تحقيق "انتصار" حاسم يمكّن الرئيس بوتين من إيقاف الحرب من دون أن تلحق به خسارة معنوية مؤلمة، تعقدت الأمور وطالت الحرب المدمرة في النهاية لأوكرانيا كبلد، في مقابل غرق روسي في الوحول الأوكرانية، حيث التصميم على مقاومة آلة حرب متفوقة في العدد والعتاد، لكنها متأخرة في التصميم والمعنويات والحرب الحديثة المتطورة التي يؤمنها الدعم الغربي بقيادة الولايات المتحدة للقوات الأوكرانية.

المهم هنا أن الحرب تطول، ونفقاتها تكبر على الطرفين. وإذا كانت روسيا قد استفادت في مكان ما من مداخيل مبيعات الغاز الطبيعي والنفط التي لم تتوقف، فإن إنفاق مليار دولار، بحسب تقديرات دوائر حلف شمال الأطلسي "الناتو"، يبقى هائلاً قياساً إلى حجم اقتصاد روسيا. والإنفاق الفائق هذا لا يضخ في الدورة الاقتصادية الروسية، ويحجب عن الاقتصاد التنموي في البلاد، ويبقي حجم الكتلة النقدية من العملات الأجنبية متواضعاً جداً مقارنة بإمكانات الجبهة التي تواجه موسكو وتعكسها موافقة الكونغرس الأميركي المتوقعة في الأيام المقبلة على حزمة مساعدات عسكرية، واقتصادية وإنسانية لكييف تفوق الأربعين مليار دولار.

فروسيا قوة عسكرية عظمى تمتلك ترسانة أسلحة هائلة، لا سيما آلاف الرؤوس النووية وأنظمة الإطلاق المتطورة القادرة على إفناء الكرة الأرضية مئات المرات. لكن روسيا قوة اقتصادية متوسطة يعادل حجم اقتصادها حجم اقتصاد إسبانيا. ومن هنا فإن عصب الحرب الذي هو الاقتصاد محدود مقارنة بطموحات موسكو تحت سلطة الرئيس بوتين المصمم على استعادة أمجاد الإمبرطورية الروسية والاتحاد السوفياتي. ما تقدم تضاف إليه نقطة جوهرية تتصل بكون روسيا دولة معزولة عموماً، في مواجهتها اليوم حلف شمال الأطلسي "الناتو" الذي كان إطاراً عسكرياً دفاعياً خلال الحرب الباردة. وبعد انهيار الاتحاد السوفياتي سنة 1989، بدأ يتراجع في أهميته، حتى طرحت في وقت من الأوقات مسألة جدوى الإبقاء عليه بصيغته الحالية، ذلك رغم أن الحلف تمدد بعد انتهاء الحرب الباردة، نحو دول البطيق الثلاث سنة 2004، وصولاً إلى البلقان مع انضمام جمهورية مقدونيا الشمالية سنة 2020. وقد كانت مطالبة جمهورية جورجيا بالانضمام إلى "الناتو" سنة 2008 (والتي لم يستجب لها) سبباً لمسارعة روسيا إلى افتعال حرب بين منطقة انفصالية والحكومة الجورجية، لتتدخل القوات الروسية وتشن حرباً قصيرة انتهت باقتطاع جزء من الأراضي الجورجية ولجم طموحاتها للانضمام إلى حلف "الناتو". تبع ذلك شن حرب على أوكرانيا سنة 2014 رداً على ثورة ميدان التي أطاحت الرئيس المقرب من موسكو، فجرى ضم شبه جزيرة القرم، واجتياح قسم من المقاطعات الشرقية في منطقة الدونباس.

وطوال الفترة التي سبقت شن الحرب الروسية الأخيرة على أوكرانيا، كان الخطاب الرسمي للقيادة الروسية يركز على مسألة توسع حلف "الناتو"، وقد حفلت خطب الرئيس بويتن والمواقف التي عبر عنها وزير الخارجية سيرغي لافروف بأدبيات الدعاية الروسية التي تعتبر أن "الناتو" يحاصر روسيا، وأن تمدده إلى دول أخرى في محيط روسيا المباشر، يناقض الوعد الأميركي الذي قطع للرئيس الروسي الأسبق ميخائيل غورباتشوف عندما اتخذ قرار الانسحاب من ألمانيا الشرقية في أعقاب سقوط جدار برلين، بأن حلف "الناتو" لن يتمدد إنشاً واحداً نحو الشرق. انما العكس حصل وتمدد الحلف في العديد من الاتجاهات حول روسيا.

صحيح أن انضمام أوكرانيا إلى "الناتو " لم يكن مطروحاً أخيراً، وصحيح أن الحشد العسكري الروسي بدأ في مطلع العام الماضي، وأدركت الاستخبارات الأميركية والبريطانية قبل غيرها أن الرئيس بوتين ينوي اجتياح روسيا، وهذا ما حصل فعلاً. لكن حرب الرئيس بوتين شكلت المحرك الأساس لمسارعة دول الجوار الروسي إلى الانضمام إلى الحلف. فدول محايدة تاريخياً ولأسباب مختلفة وظروف لا تتشابه، مثل فنلندا والسويد، ما كان الرأي العام فيها مجنداً ومعبأً للمطالبة بالانضمام إلى الحلف. وحدها حرب أوكرانيا حركت المياه الراكدة في الجوار الروسي. فقد شكلت جرس إنذار إزاء سياسة روسيا بوتين بالنسبة إلى كل دول الجوار الخائف من أن يتكرر معها نموذج الحرب على أوكرانيا.

واليوم تقدم كل من فنلندا والسويد طلباً رسمياً للانضمام إلى حلف شمال الأطلسي، ولا يملك فلاديمير بوتين أي وسيلة لمنعهما من الانضمام السريع خلال بضعة أسابيع، فقد أغرقته وحول الحرب في أوكرانيا، وأضعفت قدراته على التصدي، إن بالسياسة أو بالقوة لتوسع حلف شمال الأطلسي، في مقابل تقلص المدى الحيوي لروسيا الاتحادية بمنظورها الإمبراطوري. وبعدما صعّدت القيادة الروسية من خطابها وتهديداتها باتخاذ إجراءات عسكرية على الأرض ضد احتمال انضمام فنلندا والسويد إلى "الناتو"، تراجعت الحدة إلى حد القول إن عملية انضمام البلدين لا تغير شيئاً.

الرئيس بوتين تحرك قبل أيام لإحياء "الناتو" الروسي المؤلف مبدئياً من عدد من جمهوريات الاتحاد السوفياتي السابق، الآسيوية في معظمها، من خلال جمع رؤساء "منظمة معاهدة الأمن الجماعي" التي تعتبر نسخة روسية عن حلف شمال الأطلسي، وذلك لمناسبة عيدها الثلاثين، لكن لا يبدو أن اللقاء حقق لموسكو سوى صورة جمعته مع الأعضاء الذين ينظر عدد منهم في الاتجاه الآخر!

خلاصة الأمر أن روسيا التي خاضت حرب التصدي لتمدد "الناتو"، تسببت في حربها الأخيرة بانتعاش الحلف بما فاق كل التوقعات.