قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

بكل المعايير تبقى مسؤولية النهوض بالدول وإيجاد الحلول للأزمات مسؤولية شعوبها وقياداتها، لكن رغم ذلك لا يمكن إعفاء القوى الدولية والإقليمية الكبرى التي أدمنت ممارسة العبث بأمن واستقرار الكثير من الدول خاصة في عالمنا العربي، من مسؤولية وصول الكثير من الدول إلى ما يشبه سقوطها وفشلها. ليبيا وسوريا واليمن والسودان نماذج صارخة لهذا النوع من أنواع التدخل القسرى التدميري، ومن ثم فإن البحث عن حلول للأزمات التي تعيشها تلك الدول يجب ألا يتجاهل بأي حال من الأحوال مسؤوليات الدول الإقليمية والقوى الدولية.
الحديث الذي أدلى به المبعوث الأمريكي الخاص لليبيا السفير ريتشارد نورلاند، نموذج صارخ للتضليل في تشخيص الأزمات واقتراح الحلول. ففي حديثه لإحدى الصحف العربية ركز على أن الليبيين هم المسؤولون عن إيجاد حلول للمأزق السياسي الراهن واستكمال مرحلة الانتقال السياسي بوطنهم. لم يشر، ولو مجرد إشارة، إلى أن من دمروا ليبيا وأوصلوها إلى ما وصلت إليه هي قوى دولية وإقليمية، تماماً على النحو الذي قاموا به في العراق الذي وصل إلى درجة الانسداد السياسي بسبب تعقيدات معادلة الحكم الفاشلة التي أرسى قواعدها الأمريكيون وبسبب تأجيج الصراع الطائفي وإرساء «المحاصصة» أساساً للحكم.
لم يكتف المبعوث الأمريكي بهذا التشخيص الرديء للأزمة الليبية وأسبابها؛ لكنه امتد إلى تشخيص أسوأ للحلول الممكنة للخروج من المأزق، في الوقت الذي تعمدت فيه الولايات المتحدة الهروب من حسم موقفها من ظاهرة الحكومتين الليبيتين، ما يعني الإصرار الأمريكي على إبقاء كل ما من شأنه إعاقة أي حل للأزمات مستمراً. وفي معرض اجتهاداته للحلول قال نورلاند إنها «تكمن في إجراء انتخابات وطنية حرة ونزيهة في أسرع وقت ممكن، وتعزيز الحكم الرشيد من خلال التعاون بخصوص إدارة عائدات النفط الليبية، والتي يمكن أن تنمو بشكل كبير بمجرد التوصل إلى اتفاق حول استعادة القدرة الكاملة على الإنتاج».
ما يشغل المبعوث الأمريكي هو إنتاج النفط الليبي، ويتحدث عن أهمية الانتخابات، وهو يعلم أن رئيس حكومة الوحدة الوطنية عبد الحميد الدبيبة هو الذي سوَّف بشأن إجراء الانتخابات لاعتراضه على قوانينها وخشيته من أن تكون نتائجها لصالح منافسيه. لم تتحرك الولايات المتحدة لفرض الانتخابات في موعدها المقرر سلفاً، ولم تفِ بوعودها بمعاقبة من يعرقلون إجراء تلك الانتخابات، والآن يجدد نورلاند الحديث عن محورية إجراء الانتخابات في الوقت الذي يتهرب فيه من تحمل مسؤولية توفير البيئة اللازمة لإجراء تلك الانتخابات، وأبرزها الدستور الليبي وقوانين الانتخابات، ودعم المؤسسات المدنية وخاصة الأحزاب الليبية التي يعطى تنافسها السلمي المذاق المطلوب للانتخابات، وقبل هذا كله إيجاد حل نهائي للازدواج الحكومي بين واحدة يقودها عبد الحميد الدبيبة (حكومة الوحدة) وثانية برئاسة فتحي باشاغا (حكومة الاستقرار). ورغم مرور أكثر من ثلاثة أشهر على نيل حكومة باشاغا الثقة من مجلس النواب لم تحظ هذه الحكومة باعتراف الأمريكيين والأوروبيين ولا المنظمة الدولية، الأمر الذي يعني انحيازاً للحكومة التي يترأسها الدبيبة على أقل تقدير، إن لم يكن حرصاً على استمرار الأزمة الليبية.
ما جاء على لسان المبعوثة الأممية للأزمة الليبية ستيفانى ويليامز يكشف جانباً من ذلك. ففي معرض تعليقها على الانقسام الحاد الذي أحدثه وجود حكومتين في البلاد قالت: «لسنا في مجال تأييد الحكومات أو الاعتراف بها»، الأمر الذي عدّه بعض المؤيدين لباشاغا من قبيل «المراوغة» للهروب من إعلان موقف صريح يتسق مع تحركات البرلمان الذى أسقط حكومة الدبيبة.
عدم الحسم الأمريكي والأممي لأزمة الحكومتين الليبيتين فاقم من مخاطر تردي الأزمة وإفشال كل محاولات الحل بدليل العودة مجدداً إلى الصراع المسلح في العاصمة طرابلس، وكذلك إصرار أعوان الدبيبة على منع دخول باشاغا وحكومته وأنصاره إلى العاصمة الليبية.
يفاقم من هذا الخطر تعمد الأطراف المتصارعة العبث بالمكون الاجتماعي- السياسي للعملية السياسية وفي مقدمتها إجراء الانتخابات وإرساء قواعد الديمقراطية. فإذا كانت الأحزاب السياسية تعد من أبرز وأهم تلك المكونات فإنها تعيش أسوأ حالاتها في ليبيا حالياً، ما يعني الإفشال المسبق للعملية الانتخابية، بسبب تعرض هذه الأحزاب للإقصاء بفعل التشريعات والمضايقات الحكومية، والآن تفجير الصراع المبكر بين هذه الأحزاب.
مثل هذا النهج يدفع بالأزمة الليبية إلى المزيد من التعقيد ويجعل الحديث عن الديمقراطية والانتخابات بلا معنى، طالما أن الأسباب الحقيقية للأزمة يجري التهرب من مواجهتها وطرح حلول مراوغة بدلاً من جدية معالجة الأزمة وأسبابها سواء كانت داخلية أم خارجية.