قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

كان بول فاليري يقول، "الثورة تُنجز في يومين عمل 100 سنة، وتخسر في سنة إنجاز خمسة قرون"، لكن الثورات، على اختلاف أشكالها، محكومة بمعادلة لا مهرب منها: إما أن تبني دولة، وإما أن تفشل. إما أن تغير المجتمع، وإما أن يبتلعها المجتمع التقليدي. الثورة الفرنسية سقطت بممارسة ما سمي "العنف الثوري" والصراع بين أركانها من دون أن تبني دولة، فجاء نابليون بونابرت ليشن حروباً لا تنتهي ويقيم إمبراطورية. الثورة البلشفية في روسيا لم تستطع بناء دولة إلا بعد أن تبنت شعار "بناء الاشتراكية في بلد واحد"، وتخلت عن شعار تروتسكي "الثورة الدائمة". وهي صنعت قوة عظمى عسكرياً، ولكن بساقين اقتصاديتين من فخار، فسقطت الدولة، ومعها الاتحاد السوفياتي. الثورة الشيوعية في الصين بقيادة ماوتسي تونغ وجدت صعوبة في بناء الدولة، فحاول ماو تجديد الثورة تحت عنوان "الثورة الثقافية" التي كانت كارثة، حتى قام دينغ شياو بينغ بعد وفاة ماو ببناء الدولة والاقتصاد والعودة إلى كونفوشيوس بدل "الكتاب الأحمر". ثورة الإمام الخميني الإسلامية في إيران أصرّت على أن تبقى ثورة من دون أن تبني من الدولة سوى القوة العسكرية والصاروخية. وهي في مواجهة يومية مع تظاهرات المواطنين المطالبين بضمان العيش الكريم لهم. وفي صدام مع قوى إقليمية ودولية، لكنها عملياً في حال: لا ثورة ولا دولة.

والمشهد معبر جداً في ما قادت إليه ثورات "الربيع العربي"... "ثورة الياسمين" في تونس التي كانت البداية، أمسكت بها حركة "النهضة" الإسلامية بزعامة راشد الغنوشي ضمن تحالف مع قوى "علمانية"، فكانت فوضى السلطة في دولة دستورها جيد، والصراع داخلها حال دون تقديم الخدمات للناس التي صنعت الثورة. وهكذا سقطت الثورة مرتين: مرة بالصراعات البرلمانية والانشقاقات الحزبية التي حالت دون إيجاد حلول للبطالة والمديونية والفساد. ومرة باستخدام الرئيس قيس سعيد للمادة 80 في الدستور معلناً "ثورة تصحيح" من فوق، بحيث حل المجلس النيابي والحكومة ومجلس القضاء الأعلى، ووضع كل السلطات في يده من دون أن يتبدّل شيء في معاناة الشعب المعيشية. فهو دخل وأدخل البلد معه في سرداب يصعب الخروج منه. ولا شيء يوحي أن المخرج هو الاستفتاء على دستور جديد يلغي تعبير السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية ويسميها "وظائف"، لأن "السيادة للشعب والبقية وظائف وليست سلطات". أما النظام، فإنه "ليس رئاسياً ولا برلمانياً"، ولا نص فيه على دين الدولة، بل على أن "الإسلام دين الأمة"، لأن الدولة "ذات معنوية مثل الشركة أو المؤسسة العمومية". والهدف حسب الرئيس سعيد، هو تحقيق "وحدة الدولة" لأن ما حصل منذ 2014 هو "تفكيك الدولة".

ثورة ليبيا انتهت إلى فوضى برعاية الأمم المتحدة والدول الكبرى والقوى الإقليمية: ميليشيات جهوية، وميليشيات أيديولوجية إسلامية. مجلس نواب انتهت ولايته وبقي. مجلس دولة انتهت ولايته وبقي. مجلس رئاسي وحكومة جاء بهما مؤتمر في جنيف بإشراف الأمم المتحدة فشلا في مهمتهما، وهي إجراء انتخابات نيابية ورئاسية في نهاية العام الماضي، ولم يغادرا المسرح... "حكومة الوحدة" برئاسة عبد الحميد دبيبة و"حكومة الاستقرار" برئاسة فتحي بانشاغا، حيث لا وحدة ولا استقرار. جيش في الشرق وبقايا جيش في الغرب ومرتزقة من كل طرف. ومخاطر العودة إلى حرب أهلية.

ثورة السودان ضربت بانقلاب المكون العسكري على المكون المدني، من دون القدرة على بناء دولة وحتى على تعيين حكومة. لا وساطة نجحت حتى الآن عبر "الآلية الثلاثية"، ثم "الآلية الثنائية". والعسكر يمسكون بسلطة عاجزة عن فعل أي شيء سوى العنف ويخافون تركها. والمدنيون يتظاهرون يومياً في الشارع لتجديد الثورة. بلد "سلة الغذاء" للعالم العربي جائع. ولعبة العسكر هي إعادة حكم "الإخوان المسلمين" من دون عمر البشير. ثورة اليمن تحولت إلى حرب لا تنتهي. ثورة سوريا قادت إلى تحكم خمسة جيوش أجنبية بالبلد، وصعود تيارات إسلامية متشددة بينها "داعش" و"القاعدة". وثورة تشرين في العراق ضد "الاحتلالين الإيراني والأميركي" انتهت إلى تحكم وكلاء إيران بالسلطة.

لكن الثابت في متغيرات الثورات هو أن الأزمة التي قادت إلى الثورات مستمرة ومتفاقمة، ولا بد من إيجاد حلول لها مهما طال الزمن.