قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

يتميز العقد الحالي من الزمن بأنه مفصلي في تحديد من هي القوى العظمى التي ستسود العالم, فهل ستبقى أمريكا هي الدولة الأكبر اقتصادياً وعسكرياً وسياسياً؟ أم أن أقطاباً جديدة تولد وما نعيشه مرحلة مخاض ظهورها؟ فالإمبرطوريات المتسيدة لا تسمح بأن يكون لها منافسون إلا أن الواقع يقول إن الوقت ضاق جداً على الأمريكيين وحلفائهم في أوروبا الغربية لكي يطفئوا محركات أي قوة يتسارع صعودها وتحديداً الصين, فهم لا يخفون نواياهم اتجاهها بإضعافها وإرهاقها بل أبعد من ذلك لو استطاعوا, فهم يستنزفون حالياً منافساً تقليدياً لهم وهي روسيا من خلال إطالة امد الصراع الروسي الأوكراني وذلك حتى يتمكنوا من إحكام وترسيخ استكمال تفكيك الاتحاد السوفيتي من خلال إضعاف روسيا اقتصادياً وتفكيكها إذا أمكن ذلك بينما تبقى الصين هي صداعهم المزمن الذي يحاولون التخلص منه بشتى الطرق.

فما يحدث من تأجيج للصراع في أوكرانيا دون محاولات لإيجاد حلول لهذه الأزمة يظهر التوجهات الغربية التي تتحمل معها كل العواقب السلبية اقتصادياً بمقابل استنزاف موسكو, فبالتأكيد لا أحد يؤيد هذه الحرب على دولة ذات سيادة مهما كانت المبررات, لكن في ما يقوم به الغرب من دعم لكييف فإنه يركز على استمرار الحرب وليس إنهاؤها, إذ لا يسمع أبداً عن أي حراك حقيقي لاحتواء هذه الحرب قبل أن تتوسع لما لا يمكن السيطرة عليه, بل هناك تركيز على زيادة العقوبات على موسكو وتقديم أسلحة وأموال لأوكرانيا دون أي توجه نحو دعم أي مبادرة لإنهاء الحرب.

فروسيا طامحة للعودة للساحة الدولية لتشغل مكان الاتحاد السوفيتي لكنها بالمقابل تقول إنها تواجه خطراً كبيراً من تمدد الناتو ليصل عند حدودها، فالغرب يشعر بنهاية هيمنته كما وصف ذلك توني بلير رئيس وزراء بريطانيا الأسبق قبل أسابيع, ولذلك لن يدخر أي جهد للحفاظ على هيمنته عالمياً وإذا كان قلقهم الأكبر هو الصين فإن إضعاف روسيا يساعدهم على حصار بكين والذي تسير الخطوات نحوه عملياً من خلال العديد من الأحداث والإجراءات التي عملت بفترات قريبة مثل إطلاق مبادرة من مجموعة السبع منافسة لمبادرة الحزام والطريق الصينية, وكذلك التوجهات نحو إفريقيا من خلال زيارات مكوكية قام بها الرئيس الفرنسي ماكرون ووزير خارجية أمريكا بلينكن والذي لم يخفِ أنه ذهب للقارة السمراء لمواجهة التغلغل الروسي وحتى الصيني فيها فالأخيرة تتواجد بإفريقيا بثقل اقتصادي ضخم, أما الغرب فهو للتو أدرك أهمية التحرك بإفريقيا لملء الفراغ وإزاحة المنافسين لأن هذه القارة ليست موطن ثروات ضخمة فقط بل ستكون الأكبر نمواً بالعقدين الحالي والقادم, إذ يتوقع أن يرتفع الناتج الإجمالي لدول إفريقيا الأربع والخمسين من 2،5 تريليون دولار حالياً إلى 10 تريليونات عام 2040 م. كما تقوم أمريكا بالعمل على تصحيح خطئها بخفض تواجدها واهتمامها بالشرق الأوسط كما اعترف بذلك الرئيس بايدن قبل زيارته للسعودية الشهر الماضي وهو الأمر الذي سمح لروسيا والصين من إشغال حيز كبير من هذا الفراغ الذي تركته واشنطن إلا أن عملها على بناء التحالفات قرب الصين مع أستراليا وبريطانيا ومحاولة ضم دول جديدة لهذه الجبهة ماهو إلا «ناتو «جديد يريدون زرعه على حدود الصين البحرية والبرية للتمكن من إقحامها في مواجهات تستنزفها.

فالصين سيصل ناتجها هذا العام إلى 19 تريليون دولار وبمعدلات نموها الحالية واستراتيجياتها التي أقرتها العام الماضي فإنها ستتجاوز أمريكا خلال خمسة أعوام على أبعد تقدير من حيث حجم الناتح المحلي بالإضافة لرفع دور المستهلك الصيني ليمثل 50 بالمائة من التأثير بالناتج الإجمالي من 30 بالمائة حالياً كما تسعى للوصول للاستقلال التكنولوجي العام 2035 م, إضافة لنمو إنفاقها العسكري بمعدل 7 بالمائة سنوياً أي أنها ستتجه للدفاع عن مصالحها خارج حدودها باتساع كبير عالمياً، ولذلك فإن تفجير القنابل الموقوتة التي زرعها الاستعمار الغربي قديماً حول الصين لتدخل في حروب وصراعات بمحيطها تبدو هي ما يسعى له الغرب فزيارة نانسي بيلوسي رئيسة مجلس النواب لتايوان انتهاك واضح لسيادة الصين كما عبرت بتصريحات حادة وزارة الخارجية الصينية على هذه الزيارة إذ تعتبر الجزيرة جزءاً منها وجل دول العالم تعترف بصين واحدة بما في ذلك أمريكا فما هذه الزيارة التي حاولت فيها بيلوسي استفزاز الصين بعبارات توحي بأنها زائرة لدولة مستقلة إلا محاولة لإشعال حرب بين بكين وتايبيه ومن ثم استعادة سيناريو الحروب الأهلية لأنها ستكون بين صينيين بنهاية المطاف وقد كان الرد الصيني سريعاً بمناورات ضخمة حول الجزيرة واستعرضت فيها بعضاً من قدراتها العسكرية بل وأكدت بأن هذه المناورات ستصبح دورية بالإضافة لفرضها بعض العقوبات على تايوان التي تبلغ صادراتها للصين 28 بالمائة من حجم ما تصدره للعالم فالغريب أنها تقبل بخطوات تستفز الصين رغم أنها الشريك التجاري الأهم والأكبر لها إلا أن أغلب المراقبين والعارفين بالسياسة الصينية يرون أنه يصعب توريط الصين بالحروب لأن قيادتها لا تستفز بسهولة ودائماً لديهم أهداف لا ينفذونها إلا بما يملكونه من قدرات وتقدير للوقت المناسب فهم صبروا واجتهدوا لعشرات السنين حتى حققوا المكانة الحالية بأن أصبحوا ثاني اقتصاد عالمي.

يبقى السؤال لماذا هذه السياسات الغربية التي ينظر لها بأنها بعيدة عن الاتزان والقيام بالدور المفروض أن يمارسوه بالإسهام بالاستقرار والسلم الدولي فكل الصراعات بالعالم تجد لهم يداً فيها سواء في الشرق الأوسط وحالياً بأوروبا الشرقية وكذلك بآسيا الوسطى ومستقبلاً ربما بإفريقيا والأهم ما يحاولون عمله من عسكرة ضخمة واستفزاز للصين فهل هي نابعة من الشعور بوهن قيادتهم للعالم بحكم ترهل محتمعاتهم وانخفاض إنتاجيتهم وارتفاع ديونهم السيادية وفشل خططهم بأمن الطاقة ومزيجها وتركز النمو بآسيا ومستقبلاً بإفريقيا مما سينهي هيمنتهم ويصبحوا من ضمن الأقطاب بالعالم وليس القطب الأوحد المنفرد بكل مفاتيح القوة التي لم يعودوا يملكونها بالكامل حالياً.