قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

في نظرية الصراع تلجأ الحكومات التي تعاني أزمات داخلية، إلى افتعال صراعات وحروب مع عدو خارجي، تسعّر من خلالها المشاعر القومية لشعبها، وتوجّه فيها أزماتها للخارج، بما يؤدي إلى توحيد جهود عامة أفراد الشعب نحو هذا العدو، ويخفف من الضغوط الداخلية الناجمة عن الأزمات التي تعانيها تلك الدول.

هذه المقدمة تُعيدنا إلى حديث الأسبوع الماضي، الذي حمل عنوان «بيلوسي والظواهري وما بينهما» وتحدثنا فيه بشكل مختصر عن زيارة رئيسية مجلس النواب الأمريكي نانسي بيلوسي لتايوان، على الرغم من معارضة الصين للزيارة واعتبارها اعترافاً ضميناً باستقلالها، وتكريساً لانفصالها، كما ناقشنا تعقيدات عملية اغتيال زعيم تنظيم القاعدة أيمن الظواهري، بواسطة مسيّرة أمريكية في أفغانستان.

والواقع أن الأحداث الداخلية التي تمر بها الولايات المتحدة، وتراجع رصيد الرئيس جو بايدن، في عدة مجالات، لعل أهمها عجزه عن الوفاء بما وعد به أثناء الحملة الانتخابية، من القضاء السريع على وباء كورونا، واستعادة الاقتصاد الأمريكي لعافيته، هي من أهم أسباب تراجع تأييد الأمريكيين لسياسات رئيسهم. يضاف إلى ذلك سبب آخر لا يقل وجاهة، يتمثل في التداعيات الاقتصادية للحرب الروسية في أوكرانيا، نتيجة العقوبات التي فرضتها أمريكا على روسيا، وتسببت في تضخم عالمي جنوني في الأسعار، في العقود الأخيرة، شمل جميع المواد الاستهلاكية، بما فيها المواد الغذائية، وارتفاع أسعار الطاقة، وبشكل خاص الغاز، مع ندرة غير مسبوقة له تهدّد بشتاء قارس وغير محتمل في أمريكا والدول الأوروبية.

لقد أدت العقوبات الاقتصادية المفروضة على روسيا (وقدرة روسيا على تحويل العقوبات إلى فرصة من خلال فرض الروبل عملة وحيدة لتسديد قيمة الصادرات الروسية من الطاقة)، إلى خلق حالة من القلق والرعب داخل الولايات المتحدة، وأيضاً في الدول المتحالفة معها، بما يهدد بتراجع نفوذ الحزب الديمقراطي، وخسارته في الانتخابات النيابية التي ستُجرى في نوفمبر المقبل.

في هذا المضمار تأتي زيارة بيلوسي إلى تايبيه، لتوجيه الأزمة التي يمر بها الحزب الديمقراطي، وأمريكا بشكل عام، إلى الخارج، من خلال تسعير الصراع مع الصين، والعمل على تثبيت حالة التفرّد الأمريكي على العالم، وذلك ما يبدو أن الإدارة الأمريكية لم تنجح فيه. فالصين الآن تضع حكومة تايوان بين خيارين أحلاهما مر، إما القبول بالوحدة طواعية، مع الاعتراف بوجود صين واحدة ونظامين سياسيين مختلفين، بالدقة، كما حدت بعد انضمام هونغ كونغ للصين الشعبية، أو الضم العسكري القسري لتايوان إلى البر الصيني. وفي كلتا الحالتين لا يبدو أنه بمقدور حكام تايوان فعل شيء يستحق الذكر لمواجهة الأزمة.

والأنكى هو أن الصين التي بدأت مناوراتها العسكرية، الجوية والبحرية، قريباً من تايوان احتجاجاً على زيارة بيلوسي، قررت مواصلة مناوراتها بالذخيرة الحية، وسط شكوك من كثير من المحللين العسكريين، في أن الهدف من هذه المناورات هو القيام بعملية عسكرية خاطفة تنتهي باستعادة تايوان.

وإذا ما تمكّنت الصين من استعادة تايوان، فإن معنى ذلك السقوط المدوّي والنهائي للأحادية القطبية، وانتهاء حقبة ما بعد الحرب العالمية الثانية، وسيكون ذلك صفعة أخرى لإدارة بايدن، بعد الصفعة القوية التي وجهتها إدارة الرئيس بوتين، بالتدخل العسكري القوي في أوكرانيا، واجتياح إقليم دومباس، والتوجّه بشكل حثيث نحو الجنوب الأوكراني.

في السياق ذاته، عمل بايدن على استثمار اغتيال الظواهري، الذي لم يعد في دائرة الضوء منذ عدة سنوات، بحيث اعتقد الكثير أنه لم يعد موضع اهتمام من قبل الإدارة الأمريكية، خاصة أن تنظيم القاعدة لم يعد بالحضور الذي كان به أثناء عصره الذهبي. وإذا ما سلمنا بالرواية الأمريكية الرسمية، حول مكان وجوده، فليس من المستبعد أن يكون الرجل قد أمن على حياته، من قبل حلفائه في «طالبان»، وأنهم أبلغوه بأن ملاحقته لم تعد موضع اهتمام من قبل الأمريكيين.

تجارب السنوات الماضية، منذ إعلان إدارة الرئيس جورج بوش الحرب على الإرهاب عام 2001، تؤكد وجود بنك للأهداف، خاص بما تعرفه أمريكا بقادة التنظيمات الإرهابية. وقد صرع الكثير منهم، لكن الأكثر حضوراً في عمليات الاغتيال، هو اغتيال أبو مصعب الزرقاوي، وأسامة بن لادن، وأبوبكر البغدادي، وأيمن الظواهري.

وفي جميع هذه الحالات يصعب عزل عمليات الاغتيال عن الظروف السياسية التي حكمت توقيتها، لكن مستوى الاستفادة منها أو عدمها، هي قضية أخرى.