قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

قد يقول قائل إن المسرح كالوردة التي تنشأ في أحضان الشوك، في الفقر والأزمات والحروب والقهر وما إلى ذلك، فهو كذلك ينشأ، ولكنه لا يزدهر في ضوء الخلل الاقتصادي المؤرق لصناع المسرح وخاصة في زمن شهدت فيه الصورة تطوراً كبيراً حد الإبهار.

هذا الإبهار وفي ذهنية المشاهد المعاصر لعصر الذكاء الاصطناعي وعلوم التكنولوجيا أصبح المسرح الآن يحتاج إلى الوقوف على ذات المستوى من الصورة والفكر على حد سواء، بالرغم من أن المسرح في نظرياته وفنونه العتيقة لم يكن له ذلك الاحتياج وعلى سبيل المثال نظريات المسرح الفقير للمسرحي البولندي (غروتوفسكي) وكيف جعل المسرح يعتمد على جسد الممثل فحسب، وقد تكون هذه هي حجة وجيهة لفناني المسرح وصناعه ومحبيه، ولكن النظارة يدركون جماليات الفكر المسرحي حينها، فالنظارة هم المعيار لشباك التذاكر وكل الأزمنة وخاصة في وقتنا هذا.

فإذا ما رجعنا للدور الاقتصادي في نهضة المسرح عند اليونان لوجدنا دور الأرخونات في تمويل ورعاية الفرق المسرحية كان كبيراً. والأرخونات حينها هم المسؤولون الإداريون الرئيسيون التسعة في أثينا القديمة بعد عام 683 ق.م، كان كل أرخون يحتل المنصب لسنة واحدة. وفي أول الأمر، كان الأرخونات من الأرستقراطيين الأثرياء، وكانوا ينتخبون للمنصب انتخاباً. فحينما تقام المسابقات المسرحية بين المدن اليونانية وكانت الجائزة تمنح للمدينة ذات الفرقة المرشحة، كان الأرخون يقوم يتمويل فرقة البلد التابعة له ودعمها ذلك لأن الجائزة تمثل نصراً ثقافياً وحضارياً على باقي المدن إذا ما عادت وهي تحمل أغصان الغار وذلك على غرار ما نره الآن في مسابقات كرة القدم. ولهذا كان المسرح اليوناني ناهضاً بكتابه ومخرجيه العظام الذي نتدارسه حتى يومنا هذا.

وإذا تأملنا أيضاً ازدهار المسرح الإليزابيثي (1558-1625) لوجدناه ينهض بما حققته لندن آنذاك من رواج اقتصادي لما لذلك الرواج الاقتصادي من استقرار ورواج كمركز تجاري عالمي إبان حكم الملكة اليزابيث الأولى وما حققته أيضاً من استقرار وسلام بعيداً عن الحروب والمشاحنات؛ فكانت موانئ لندن تزخر بالتجار والتجارة وبالزوار من مختلف أرجاء العالم، مما جعل أهلها يحيَون فتحاً ثقافياً واقتصادياً وصناعياً أيضاً مما أتاح للغالبية العظمى قدراً كبيراً من الوقت والمال للاستمتاع بشتى الفنون ومنها المسرح، برغم القيود الصارمة التي فرضها عمدة لندن. ومنها تحريم التجمعات الجماهيرية داخل أسوار المدينة وخاصة أثناء انتشار الطاعون، وكذلك لأسباب سياسية آنذاك وما أشبة اليوم بالبارحة حين انتشر بيننا وباء كورونا!

لكن المسرح عنيد لا يقبل القيود حيث تغلَّب عشاقه على تلك القيود بإنشاء المسارح خارج أسوار المدينة على شاطئ نهر (التيمز)، فأخذ الإقبال على المسرح يتزايد.

ذلك لأن المسرح أصبح رافداً كبيراً من روافد الرواج الاقتصادي فتسابق التجار حينها على إنشاء الفرق المسرحية، ومنهم (جيمس بيرج) وكان نجاراً يهوى المسرح، ثم قامت شقيقته (كاثباترت) ببناء مسرح الجلوب الشهير والذي التحق شكسبير بفرقته عقب وصوله من مدينة (ستراتفورد أبون آفون) إلى لندن وكتب حينها أروع مسرحياته ليمثلها (ريتشارد بيرباج Richard Burbage) وكان أعظم ممثلي ذلك العصر وأكثرهم شعبية. وكذلك قام التاجر (فيليب هنسلو) وهو أحد كبار التجار حينها بإنشاء مسرح منافس أسماه الوردة (The Rose) يترأسه الممثل الشهير (إدوارد إلين) مما شجع التجار على استثمار أموالهم في المسرح أمثال (فرانسيس لانجلي) الذي أنشأ مسرح البجعة (The Swan) بينما قام أحد الأثرياء مسرح (نيوينجتون باتس).

وهكذا ارتبط المسرح بالازدهار الاقتصاد، فكان الجمهور يتدفقون إلى ضفة النهر الأخرى كلما ارتفعت أعلام المسرح فظهر لنا شكسبير كاتباً وممثلاً مع فرقة الجلوب، كما ظهر لنا أعظم نقاد المسرح وكُتابه وفلاسفته أمثال (بن جونسون) مع التاجر (فرانسيس لانجلي) وكان معاصراً لشكسبير وأحد منافسيه.

هذا وإلى جانب العامل الاقتصادي في ازدهار المسرح كان هناك عامل آخر مهم وفاعل وهو السيولة الطبقية، بمعنى سهولة الانتقال من طبقة إلى أخرى بفعل ذلك الرواج؛ فبرغم وجود الطبقة الأرستقراطية إلا أن فن المسرح كان لا يفرق بين فن للعامة وفن للنخب، بل فن واحد يشترك فيه الجميع.

إن المسرح الآن وفي ضوء رؤية سمو ولي العهد -حفظه الله- يحظى بنهضة واسعة واهتمام منقطع النظير، سواء كان ذلك بتأسيس البنية التحتية وتأسيس المسرح بمفهومه العالمي، أو حتى على مستوى الفعاليات المحلية، ولكن هناك رجال أعمال ومحافظين وأثرياء ومستثمرين يجب أن يستثمروا في المسرح وأن ينهضوا به على غرار نهضة المسرح الأوروبي في عصر النهضة.