قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

شكّل شعار «التحديات الأساسية لأزمة الطاقة العالمية» عنوان الندوة التي عقدها «الاتحاد العربي للصناعات الكيميائية والبتروكيمائية» في العاصمة الأردنية عمان، الأسبوع الماضي. وقد قُدمت في الندوة مجموعة من الدراسات؛ شارك في إعدادها وزير النفط العراقي الأسبق عصام الجلبي والكاتب، حيث كان فحوى كلمته حول «التحديات لاستكمال أجندات الطاقة والمناخ».

يمر العالم، اليوم، بـ3 منعطفات تاريخية، فالمفاوضات حول تحديد سقف أعلى للحد من زيادة درجة الحرارة لا تزال مستمرة، كما المحاولات لتحوُّل الطاقة من هيمنة هيدروكربونية إلى سلة طاقة هجينة بعد عام 2050 لا تزال أجندة مفتوحة. وقد أضيف إلى هذين الحدثين التاريخيين الكونيين غزو روسيا لأوكرانيا واستمرار الحرب 10 أشهر حتى الآن، والتكهنات تختلف حول مدى استمرارية هذه الحرب الأوروبية زمنياً ومدى تصاعدها جغرافياً وعسكرياً.
تتميز الأحداث الثلاثة أعلاه بالأبعاد التاريخية والكونية لكل منها. فهذه هي المرة الأولى تاريخياً التي يحاول فيها الإنسان أن يتعامل مباشرة مع التغيرات المناخية على صعيد الكرة الأرضية جمعاء، كما أنها محاولة فريدة من نوعها لإدارة التحول العالمي في آن واحد من مصدر طاقة رئيس إلى مصادر طاقة متعددة.
ففي الماضي تركت تحولات كهذه، من الخشب فالبرونز فالفحم، إلى تغييرات محدودة الحجم، من مجموعات بشرية محدودة العدد. وفي حال نجاح هذا التحول، انتشر عبر عقود بل قرون من الزمن وفي مناطق مختلفة تدريجياً التحول الطاقوي. أما الآن فقد «تقرر» تحديد أوقات قصيرة المدى عبر عقدين أو ثلاثة فقط، للتوصل إلى تحول جذري لمصادر الطاقة. ومن اللافت للنظر أن التغييرات المناخية والطاقوية هذه أخذت تشمل مدار الكرة الأرضية بأكملها في الوقت نفسه، مما يضيف عاملاً صعباً جداً لعامل التحول، إذ ازدادت المطالب والضغوط الحالية للتخلص من معدلات استهلاك بعض الوقود لمكافحة تغير المناخ؛ لأن العالم - وكما يدعى- قد تأخر في معالجة هذه المشكلات. وبالأحرى تأخرت الدول الصناعية ذات الاستهلاك الكثيف للمحروقات وللمدة الأطول في الانتباه لما يحصل مناخياً وبيئياً.
الأنكى من ذلك أنه اندلعت في 24 فبراير (شباط) الماضي، على الأراضي الأوروبية، حرب مدمرة قتلت وهجّرت الملايين من البشر ودمرت بالأسلحة الفتاكة مئات المباني والمنشآت التحتية لدولة صناعية وزراعية في أوروبا. أعادت الحرب الأوكرانية ذكرى مآسي حربين عالميتين في تاريخ أوروبا الحديث، ويتردد الكلام والتهديدات الآن باستخدام السلاح النووي. هذه الحرب التي أعادت تقاسم النفوذ والصراع «العالمي» ما بين الدول الكبرى، بين «شرقية» و«غربية» ووضعت حداً لنظام العولمة الذي فتح المجال لازدهار التجارة الدولية والاستثمارات على الصعيد العالمي، ولا سيما ما بين الدول الكبرى نفسها، فاستثمرت الشركات الغربية المليارات من الدولارات في الصناعات الصينية لتصبح الصين واحدة من كبرى دول العالم اقتصادياً، وازدادت الطاقة الإنتاجية البترولية الروسية بعد ضعفها غداة سقوط الاتحاد السوفياتي، لترتفع إلى مصاف واحدة من أهم ثلاث دول بترولية عالمياً، بمساعدة مشاركة الشركات الغربية في الصناعة والتقنية والتسويق.
إلا أن حرب أوكرانيا حدثت أثناء فترة حرجة ومفترق طرق في مفاوضات مكافحة التغير المناخي وتحول الطاقة. ونظراً للأبعاد الدولية ودور الدول الكبرى المتنازعة في هذه الحرب على الأراضي الأوروبية، فقد تركت الحرب بصماتها على تطورات تحول الطاقة نظراً للدور الروسي المؤثر على قطاع النفط والغاز العالمي، كما لدور الصين في كونها من كبرى دول العالم المستهلِكة للطاقة، بالإضافة إلى دور الصين الريادي في تصنيع سلع الطاقات المستدامة من بطاريات الليثيوم وألواح الطاقة الشمسية والسيارة الكهربائية، ناهيك عن توفر احتياطات وافية من المعادن النادرة من الليثيوم والكوبالت الضروريين في أراضي الدولتين.
خلقت حرب أوكرانيا عدة تحديات لأجندة الطاقة والمناخ، أهمها باختصار: وضع حد لهيمنة الدول الصناعية في التسرع والطموح للأجندات، نظراً لتوقف أو تباطؤ مسيرة اتخاذ القرارات الجماعية في ظل الأجواء الجيوسياسية الملبدة بالغيوم نتيجة حرب أوكرانيا، ولسوء التقدير رغم جائحة كورونا، وحرب أوكرانيا لسرعة وإمكانية الطاقات المستدامة الإحلال محل الطاقات البترولية التي من المقرر ابتداء من الآن تهميشها لصالح الطاقات المستدامة. مثلاً: القرارات بإيقاف إنتاج سيارات الوقود البترولي بحلول أوائل عقد الثلاثينيات، أو إيقاف تشييد مصافي تكرير في الولايات المتحدة منذ ثلاثة عقود تقريباً رغم ازدياد استهلاك البنزين، أو تقليص الاستثمار في اكتشاف وتطوير حقول نفطية جديدة ومحدودية إمدادات الغاز المُسال، الصناعة التي لا تحافظ عادة على طاقات إنتاجية إضافية، على عكس صناعة النفط الخام. فصناعة الغاز المُسال ذات التكلفة الباهظة الثمن، تشيد عادة وفقاً لعقود الاستيراد الموقَّعة فعلاً وعلى امتداد عقدين أو ما يزيد من الزمن.
إذن ليس من السهولة الحصول بسرعة على إمدادات وافية من الغاز المسال ولفترة قصيرة، كما تفاوض أقطار أوروبا الشمالية التي حظرت استيراداتها المعتمدة على الغاز المستورد بالأنابيب من روسيا، إذ إنه يستوجب على هذه الدول تشييد المواني والبنى التحتية من منشآت تخزينية والأنابيب، ناهيك عن ناقلات الشحن المتخصصة، وبالفعل حددت ألمانيا موازنة بـ6 مليارات دولار لتشييد المنشآت اللازمة للغاز المسال خلال سنتين، لكن التحدي لألمانيا الذي بدأ فعلاً وحتى المستقبل المنظور هو الحصول على إمدادات وافية من الغاز المُسال في فصول الشتاء. وقد ازدادت بالفعل فواتير الكهرباء الألمانية والأوروبية منذ أشهر، ومعها معدلات التضخم.
إن ظاهرة الكساد التضخمي العالمي وازدياد قيمة الفاتورة الكهربائية ظاهرة عالمية بدأت فعلاً قبل حرب أوكرانيا، والسبب هو التسرع في محاولات تهميش الصناعة البترولية من قبل خريطة طريق «وكالة الطاقة الدولية» في عام 2021 (قبل حرب أوكرانيا)، وما تجربة الحرب وقبلها الجائحة ومحاولات تهميش البترول بسرعة إلا درس مهم لمراجعة ما يمكن للعالم تحقيقه وبأية سرعة.
فمعلومات «أوبك» أن الإنتاج النفطي العالمي الحالي يقدر بنحو 100 مليون برميل يومياً، ويمثل ومعه الغاز نحو 85 % من سلة الطاقة العالمية الحالية، بينما تشكل الطاقات المستدامة نحو 5 % فقط. وتقدر «أوبك» أن يزداد معدل استهلاك النفط، ومعه الغاز، إلى حوالي 125 مليون برميل يومياً، بحوالي عام 2045، أو 80 % من سلة الطاقة عندئذ، نظراً للزيادة السكانية السنوية العالمية، ومعها ارتفاع مستوى المعيشة، وعندها يتوقع أن تشكل الطاقات المستدامة 6.5 % من سلة الطاقة العالمية. وفي كلتا الحالتين، لن تكون الطاقات المستدامة جاهزة للإحلال محل البترول في حال تهميشه، الأمر الذي يعني أنه من المتوقع عندما نصل إلى الموعد المحدد عام 2050، الاستمرار بسلّة طاقة هجينة لعقود مقبلة، سلة متكونة من الطاقات المستدامة والنووية، والهيدروليكية والهيدروجين والنفط والغاز بنسب متغيرة ومختلفة عن النسب الحالية، فالتنافس بينهم سيكون حول سهولة الحصول على كل مصدر طاقة، وتكلفة الإنتاج وسهولة الاستعمال.