بعد نهاية الحرب العالمية الثانية ظلت دول العالم ومجتمعاتها ردحا من الزمن تتأرجح بين نقيضين، لتقرر أخذ مواقف معينة من قضايا العالم المفصلية التي تديرها القوى العظمى بما يتفق أو يتناسق مع مصالحها الجيو- سياسية والجيو- اقتصادية، فتوزعت دول العالم ومجتمعاتها بين مؤيد مطلق للولايات المتحدة الأمريكية يضع ثقته الكلية بها بوصفها زعيمة للمعسكر الغربي الرأسمالي والمدافع عن قيمها، وبين مناصر تابع للاتحاد السوفيتي الذي يقود التكتل الآخر المسمى بالمعسكر الاشتراكي المناقض إيديولوجيا للمعسكر الغربي. وهذا التخندق في معسكرات إيديولوجية لو تدبره عاقل لأدرك أنه مناف لجوهر السياسة الذي يحتم على الدول أن تبني مواقفها فضلا عن الأمور المبدئية على مبادئ المصلحة والمنفعة فلا شيء اسمه ثقة في منطق العلاقات بين الدول.
هذا الوضع بقيّ سائدا حتى عام 1991، أي أن عمر هذا الواقع لم يمتد أكثر من 46 عاما، عندما انفرط عقد المعسكر الاشتراكي وانهار الاتحاد السوفيتي عن بكرة أبيه ليبقى المعسكر الغربي ومن ورائه الولايات المتحدة مستفردا بدول العالم معتمدا على جيش قوي واقتصاد متين وعلم متوطور. جمهورية روسيا الإتحادية ورثت مقومات القوة العسكرية والنووية من الاتحاد السوفيتي ما أعطاها إمكانية التصرف على أنها القوة الأخرى إلى جانب الولايات المتحدة الأمريكية مع تفوق واضح للقوة العظمى الأولى في منوالي الاقتصاد والتكنولوجيا، وهذا ما أسهم في تخفيف التوترات العالمية ولعب دورا في خفض مستويات المواجهات بين الدول.
لا ينبغي للثقة أن تكون محددا للعلاقات بين الدول، فالثقة، في المقام الأول، هي قيمة إنسانية جليلة لا مكان لها بين تداخل مصالح الدول وتناقضاتها، وإن كان لها من وجود فإنه وجود وقتي محكوم بانتهاء المصالح أو انتهاكها من أي طرف. وهذا ما أثبتته تجارب كثير من دولنا العربية مع «الحليف» الأبرز لها، الولايات المتحدة الأمريكية؛ حيث وجدت هذه الدول أن أمريكا ما هي إلا دولة تبحث عن مصالحها وتضرب عرض الحائط مصالح الغير عند أول منعطف اختباري. ولعل حرب اليمن خير مثال بارز في هذا الصدد.
الصراع بين القوتين حول الهيمنة ومد النفوذ إلى أبعد من حدود الدولتين بقي يراوح مكانه، بل إنه اشتد أكثر وأكثر خصوصا بعد دخول العملاق الاقتصادي الصيني حلبة الصراع على النفوذ انطلاقا من الحفاظ على الحدود التي باتت عنوانا بارزا ومحرضا لتدخلات الولايات المتحدة وحلف الناتو بدوافع المصالح وليس بدوافع الدفاع عن حقوق الإنسان كما يزعمون. فها هي حقوق الإنسان في الأراضي المحتلة تنتهك في كل حين، «ولا من درى ولا من سمع». ولعل الحرب الروسية الأوكرانية وأزمة تايوان الوطنية مع الصين الشعبية أهم مظهرين لهذا الصراع المحتدم والذي ينذر بعواقب وخيمة فوق طاقة الكل، فتحول هذا الصراع إلى مواجهة سيكون إيذاناً بنهاية العالم. الصين دخلت حلبة الصراع على النفوذ في السنوات القلية الماضية بعد أن كانت تُدير في صمت عملية التطوير التكنولوجي لتغدو في ما بعد من أهم الدول المصنعة لها ومن خلالها استطاعت بسط سيطرتها على أسواق العالم بما فيها أسواق الولايات المتحدة وأوروبا.
المتأمل للمشهد السياسي وما يمور به العالم من أحداث تنذر بالشر المستطير، يفترض منه أن يكون متيقظاً مستعداً لمختلف التحولات وما سيترتب عنها من نتائج؛ فعالمنا اليوم يعيش حالة مخاض عسيرة انقلبت معها دول عديدة على مسلمات عاشت بها لعقود طويلة، ومن بين هذه المسلمات إقامة العلاقات الدولية مع القوى الاستعمارية القديمة ومع الولايات المتحدة الأمريكية على مبدأ الثقة التي كان يُظن أنها متبادلة فإذا بها ظرفية عند الطرف الأقوى، وهذا ما أدركته عديد الدول التي بدأت تنتفض على الهيمنة الأمريكية وعلى الدولار رمز الهيمنة الاقتصادية الأمريكية على أسواق المال والتجارة الدولية، وكأني بدول العالم، بناء على هذا الواقع، تُعيد فرز نفسها في ظل عالم جديد يولد من رحم التناقضات الحادة بين مصالح الدول المختلفة، وخصوصا تلك الدول التي تدير المشهد من واقع قوتها العسكرية والاقتصادية والتقنية، وهي الولايات المتحدة الأمريكية والصين وروسيا ودول الاتحاد الأوروبي بناء على ما تتمخض عنه حرب أوكرانيا، وعلى الدول الأخرى أن تعيد تموقعها بناء على مصالحها، ومن حقيقة أنها صديقة من يحترم مصالحها. ولا أعتقد أن هناك من هو أجدر من الآخر بالثقة بقدر ثقتنا نحن بقرارنا.














التعليقات