عوامل عدة تدفع الوسط السياسي اللبناني إلى التطلّع لخرق ما في جدار الفراغ الرئاسي الذي دخل شهره السابع، يفترض أن تتبلور في قابل الأيام سلباً أو إيجاباً، من دون الإفراط في تعليق الآمال عليها.
الحركة الداخلية بدءاً بلقاءات النائب الدكتور غسان سكاف مع قوى المعارضة من أجل توحيد موقفها حول مرشح واحد، مقابل دعم «الثنائي الشيعي» لرئيس تيار «المردة» سليمان فرنجية، تمهيداً لدعوة إلى جلسة انتخاب ولينجح من يحصل على أكثرية الأصوات، وحركة نائب رئيس البرلمان الياس بو صعب بين الأضداد المسيحيين للخروج بـ»قواسم مشتركة»، يرفد موقفان خارجيان أطلقا حراكاً جديداً، أي الأميركي والسعودي، المساعي المحلية.
يستند التوجهان الأميركي والسعودي إلى ثباتهما في تجنب طرح إسم أي مرشح، خلافاً للمسعى الفرنسي الذي يقدّم خيار فرنجية، وسط اكتفاء أميركي بالتساؤل عما إذا كان خياراً يجمع الأصوات النيابية المطلوبة من أجل إنهاء الفراغ، في وقت تغلب المراوحة. فالدبلوماسية الأميركية ما زالت على موقفها بتفادي وضع «قبلة الموت» على خد أي مرشح يمكن أن تفضّله، لاعتقادها بأنّ مجرد تأييد واشنطن مرشحاً معيناً سيتعرض للسهام لإسقاط خياره، وتالياً لن تؤيد أي شخصية. حتى ما قيل عن تفضيل واشنطن قائد الجيش العماد جوزاف عون، يكتفي الجانب الأميركي بامتداح التعاون معه في دعم المؤسسة العسكرية، الذي لا يشمل الجانب السياسي ولا موضوع الرئاسة، على رغم شعبيته لدى اللبنانيين.
لكن الحراك الأميركي والسعودي يتقاطع (خصوصاً الأميركي) مع باريس في شأن الحاجة إلى توافق لبناني على سلة تشمل الرئاستين الأولى والثالثة وشكل الحكومة المقبلة. الإلحاح على إصلاحات سريعة تقدم عليها التركيبة الحاكمة المقبلة لبدء مسار برنامج تعافٍ اقتصادي ومالي مع صندوق النقد الدولي، تفرض انسجاماً بين مكونات السلطة التنفيذية بحيث تتعاون بدلاً من عرقلة عمل الحكومة المقبلة، كما كان يحصل في العهد السابق.
ارتكز الحراك الأميركي الجديد على البيان الأخير للخارجية الأميركية، وعباراته الواضحة، ورسائله بين السطور، تبدأ بالتذكير بمضي ستة أشهر على الفراغ، ولا تتوقف عند دعوة القادة السياسيين إلى إعلاء مصلحة البلد والشعب على مصالحهم الشخصية، لانتخاب رئيس متحرر من الفساد يتمتع بالشفافية ويخضع للمحاسبة، ويمكنه توحيد البلاد.
ترجمت السفيرة الأميركية دوروثي شيا ذلك في لقائها مع رئيس البرلمان نبيه بري بقولها إن الوضع لم يعد يحتمل بعد ستة أشهر، غلب عليها الانتظار والفراغ. البلد بحاجة للانتقال إلى مرحلة جديدة، بإسدال الستارة على المسرح، لتدشين مشهد جديد، فوق خشبته، بالدعوة إلى جلسة نيابية لانتخاب رئيس. وافقها بري وقال إنه سيفعل. لكنه ينتظر أيضاً أن يتفق الفرقاء المعارضون وخصوصاً المسيحيين، على اسم بديل للمرشح ميشال معوض وسيدعو إلى جلسة. وقبله ناقشت السفيرة الأميركية الحاجة الملحة إلى خطوات جدية للانتقال إلى مرحلة تضع البلد على سكة الحلول، مع بو صعب، لعل اتصالاته تسهم في جهود قلب صفحة الأشهر الستة الماضية بشيء من «البراغماتية»، لانتخاب رئيس.
الانطباع عن الحراك السعودي في بيروت عزز إمكان القيام بنقلة قد تفضي إلى جلسة انتخابية، نظراً إلى أنّ السفير وليد البخاري كان حاسماً بأنّه ليس في جعبته أي اسم، بل الحض على الإسراع في ملء الفراغ، مكرراً بأن لا فيتو لدى الرياض على أي مرشح، مشدداً على مواصفات الرئيس العتيد، غير المنغمس بالفساد وقادر على التعاون مع الجميع...
لكن كالعادة، لقي الحراك الأميركي والسعودي لدى كل من فريقي «الممانعة»، والخليط المناوئ لـ»حزب الله» المؤلف من السياديين والمعارضين والمستقلين، تفسيرين متناقضين:
الأول رأى أنه طالما لا فيتو على ترشيح فرنجية فهذا يفتح الباب على تحرير بعض المجموعات منها النواب السنة من موقف خارجي رافض لرئيس «المردة»، ويرفع عدد مؤيديه، وأنّ المرحلة الراهنة من العلاقة السعودية - الإيرانية قلبت صفحة المواجهة، وعلى اللبنانيين التفاهم بمعزل عن الموقف الخارجي.
والثاني اعتبر أنّ موقف الرياض معروف وهو عدم التزامها بدعم لبنان إذا انتُخب رئيس يعاكس نظرتها للبلد. وطالما التركيز على إنهاء الفراغ وإسدال الستار على المشهد السابق الذي احتل المسرح ستة أشهر، فإنّ «البراغماتية» الأميركية تقتضي من مؤيدي فرنجية الإقرار بأن الفترة الماضية برهنت صعوبة تأمين فوزه، بدليل أنّ المحاولة الفرنسية لم تصل إلى نتيجة، ولا بد من البحث عن بديل ثالث. والمخرج المحلي من المأزق يتوقف على تفاهم معارضيه، بتوحيد موقفهم من مرشح معين. يضاف إلى ذلك أنّ واشنطن لا ترى أن إطباق إيران على لبنان بالزيارات الفائضة عن المعقول لمصلحة البلد.
في كل الأحوال حصيلة الأيام الماضية هي رمي الكرة مجدداً في ملعب الفرقاء اللبنانيين، ودعوتهم إلى التنافس تحت قبة البرلمان، بعد ثبات عقم الأشهر الستة الماضية.
















التعليقات