سمر المقرن
حُسن الظن ليس سذاجة، ولا غفلة عن الواقع، ولا تبريرًا للأخطاء كما يظن البعض. هو في جوهره حالة وعيٍ ناضج، يختار فيها الإنسان أن يحمي قلبه من التآكل، وأن يخفف عن روحه أثقال التأويلات القاسية.
حين نحسن الظن، نحن لا نغيّر الآخرين، بل نغيّر طريقة استقبالنا للحياة.
في عالمٍ سريع، مزدحم بالأحكام الجاهزة، أصبح سوء الظن هو الخيار الأسهل. يكفي موقف عابر، أو كلمة ناقصة، أو صمت طويل، ليبدأ العقل في نسج سيناريوهات موجعة. ومع الوقت، تتحول هذه السيناريوهات إلى قناعات، والقناعات إلى مشاعر، والمشاعر إلى قطيعة داخلية لا يراها أحد سوانا.
هنا تحديدًا، يكون حُسن الظن فعل شجاعة.
أن تحسن الظن يعني أن تعطي المساحة قبل الحكم، وأن تترك باب الاحتمالات مفتوحًا، وأن تقول في داخلك: «ربما هناك ما لا أعرفه».. هذه الجملة البسيطة تنقذ علاقات، وتطفئ حرائق، وتعيد الإنسان إلى اتزانه!
حُسن الظن لا يلغي الحكمة، بل يكمّلها. فالعاقل يُحسن الظن بقلبه، ويحتاط بعقله، دون أن يسمح لأحد أن يستنزف سلامه.
الأجمل في حُسن الظن أنه يعود على صاحبه أولًا. الإنسان الذي يُحسن الظن ينام أخف، يتنفس أعمق، ويعيش أقل توترًا. لا يحمل في صدره محاكم مفتوحة، ولا يستدعي النوايا السيئة عند كل اختلاف. هو يدرك أن الناس مشغولون بمعاركهم الخاصة، وأن كثيرًا من القسوة ليست موجهة، بل عابرة.
وحين نُحسن الظن بأنفسنا أيضًا، نتحرر من جلد الذات. نغفر أخطاءنا، نفهم تعثرنا، ونعطي لأنفسنا حق المحاولة دون قسوة. فكما نحتاج أن يُحسن الآخرون الظن بنا، نحتاج أن نفعل ذلك مع ذواتنا.
في النهاية، حُسن الظن ليس ضعفًا، بل رفعة. هو اختيار راقٍ بأن نعيش بسلام، لا لأن العالم مثالي، بل لأن قلوبنا تستحق الطمأنينة.
ومن أحسن الظن، كسب راحته.. حتى لو خذله البعض!














التعليقات