هل تذكرون البيت الشهير لأمير الشعراء أحمد شوقي الذي قال فيه:
إنّما الأمم الأخلاق ما بقيَتْ
فَإِنْ هُمُ ذهبَتْ أخلاقهمْ ذهبوا.
أو بيته الأخير الشهير أيضاً:
وإذا أصيبَ القومُ في أخلاقِهم
فأقمْ عليهم مأتماً وعويلاَ
نعم، كثّف شاعر العربية الكبير، في العصور الحديثة، خلاصة المعنى المطلوب حول أن الوجود الحقيقي لأي مجتمع هو في قِيمه الأخلاقية ومدى تمسّكه بها؛ لأن الوجود المادّي الآخر، أعني وجود الأجساد والأعضاء والأصوات لا يفترق في شيء عن أي وجود «حيواني» آخر، مثل وجود مجموعة غنمٍ أو ضِباعٍ، أو أقلّ من ذلك من صور الوجود الحيواني.
إذن الأخلاق ثم الأخلاق، والتربية عليها، هي ما يفرق الإنسان - فرداً أو جماعة - عن الحيوان الأعجم.
ضعْ ذلك معنا، ونحن نطالع تقريراً نُشر مؤخراً عن خطورة بيئة النشر والأخبار في السوشيال ميديا على الأخلاق بصورة عامّة، والأخلاق الصحافية المهنية بصورة خاصّة.
جاء في تقريرٍ نشرته دورية «كولومبيا جورناليزم ريفيو» التي تصدرها كلية الصحافة في جامعة كولومبيا بنيويورك، واستعرضته فتحية دخاخني بهذه الجريدة أن «الوقت يتغيّر، وكذلك القواعد الأخلاقية».
كما جاء: «الصحافة تحتاج إلى أدلة استرشادية أخلاقية جديدة للتعاطي مع التحديات التكنولوجية المتسارعة».
يوشنا إكو الباحث الإعلامي الأميركي، رئيس ومؤسس «مركز الإعلام ومبادرات السلام» بنيويورك أكد لـ«الشرق الأوسط» أن «أخلاقيات الإعلام التقليدية مثل الدِقّة والإنصاف والمساءلة، صُمِّمت لبيئة إخبارية بطيئة تعتمد على العامل البشري، في حين أدخل التحول الرقمي ديناميكيات جديدة في ظل زيادة حِدّة التنافس الإعلامي في السعي وراء السبق والخبر العاجل؛ ما يجعل النشر السريع يفوق الدقة والتحقق».
كان الاعتقاد السائد أن «تغيّر الزمن لا يستدعي تغيّر الأخلاقيات؛ فقواعد الإعلام مثل الصدق والشفافية والاستقلال ثابتة مهما تغيّرت صناعة الإعلام». بحسب «كولومبيا جورناليزم ريفيو»، لكنها تشير إلى «تغير هذا الاعتقاد السائد، فالقواعد الأخلاقية القديمة تتطلب إعادة تقييم لمواجهة المعضلات الرقمية الجديدة».
للعاقل والعاقلة: هل قِيمٌ مثل الصدق والشفافية والدِقّة والتحرّي والموضوعية، قِيمٌ نِسبية؟! مؤقتة؟! غير لازمة؟!
أم هي قِيمٌ جوهرية وثوابت فيزيائية أخلاقية لا تفنى إلا إذا فني الوجود نفسه، الوجود الإنساني الحضاري ذاته؟!
إذا كانت «بيئة» السوشيال ميديا تُعزّز قِيماً رديئة مثل التسابق والتهارش على ذكر الخبر و«السّبقُ» إليه، حتى لو كان الخبر خطيراً أو ضارّاً بإنسان أو مجتمع آخر، فهل هذا أمرٌ «عادي» ويجب التواؤم معه وإلا صار التخلف صفة لنا؟!
أم يجب - وهذا هو التحدّي الكبير - ابتكار صيغة تجمع بين مزايا السوشيال ميديا وأخلاقيات الإنسان المطلقة؟!
زِدْ على قبيحة التهارش على الخبر، التكالب على تغذية «التريند» والركوب عليه، بقيام سوق المزايدة في سلعة التصعيد اللغوي وفاحش القول، حتى يضمن هذا المتهارشُ المتكالبُ، موضع السبق والريادة في سوق التريند!
نعم: أقمْ عليهم مأتماً وعويلاً...
















التعليقات