محمد سليمان العنقري

التنافس في ميدان التجارة الدولية أصبح أكثر تعقيداً؛ نظراً لأهميته في تشكيل مكانة الدول بالاقتصاد العالمي، فحجم هذه التجارة فاق 33 تريليون دولار سنوياً أي نحو 30 بالمائة من حجم الناتج الإجمالي العالمي؛ لذلك ظهرت مبادرات من بعض الدول تهدف لتعظيم وزنها بالتجارة الدولية، وكذلك بتوطين صناعات حيوية على أراضيها بهدف تحقيق إيرادات كبيرة، وكذلك توفير فرص عمل واستثمار واسعة عبر إقامة مناطق حرة هدفها تحفيز الشركات العالمية والمحلية لأن تضع مصانعها فيها من خلال حزمة من الحوافز التي تقلل التكاليف عليهم، كالإعفاءات الضريبية وإعفاء من الرسوم على بعض الخدمات والواردات لمدخلات الإنتاج، وذلك لفترات زمنية طويلة وغيرها من الحوافز التي أصبحت شائعة.

وبما أن أغلب دول العالم الناهضة باقتصاداتها والباحثة عن تنوع مصادر الدخل بدأت تتوسع بشكل متسارع في زيادة إنتاجها المعد للتصدير تماشياً مع نمو ضخم بالاقتصاد العالمي أفقياً ليشمل مناطق جديدة في أسيا وأفريقيا وأميركا الجنوبية، فإن فرصاً كبيرة يمكن الاستفادة منها في الاقتصاد السعودي بالتوجه لإنشاء مناطق اقتصادية حرة بمختلف أنواعها لزيادة حجم الإنتاج محلياً وكذلك زيادة في الصادرات وجذب الاستثمارات، حيث توجد إمكانيات كبيرة لنجاح هذا التوجه كالموقع الجغرافي الذي يتوسط العالم والمساحة الكبيرة ووجود شواطئ طويلة على الخليج العربي قريبة من أسيا وعلى البحر الأحمر قريبة من أوروبا وإفريقيا.

فبعد جائحة كورونا تحديداً برزت أهمية زيادة الإنتاج المحلي بالدول وظهرت أهمية القطاع اللوجستي وسلاسل الإمداد كفرص كبيرة للدول، خصوصاً التي تمتلك مزايا نسبية مثل الموقع الجغرافي وامتلاك ثروات طبيعية ولديها قوة مالية وأنظمة اقتصادية مشجعة لجذب الاستثمار. وتعد السعودية من أهم هذه الدول بعد إطلاق رؤية 2030 التي وفرت ببئة تنظيمية حديثة وبنية تحتية متقدمة ونمو كبير بالناتج المحلي وتدريب وتأهيل لرأس المال البشري، مع انفتاح واسع على العالم عبر اتفاقيات شراكة تجارية واقتصادية متعددة مع كافة المناطق الاقتصادية الكبرى في العالم.

وقد بدأت المملكة فعلياً بأول خطوة لإنشاء مناطق اقتصادية خاصة والتي تسمى اختصاراً (SEZ)، وهي من المبادرات الاستراتيجية التي أعلن عنها في برامج الرؤية تعد واحدة من ركائز الاتجاه للتوسع في التجارة الدولية التي تستهدف قطاعات مثل الخدمات اللوجستية والحوسبة السحابية والصناعات المتقدمة، إلا أن هناك أيضاً إمكانية لإضافة مناطق حرة لمعالجة الصادرات التي تسمى اختصاراً (EPZ)، ومن المعروف أنها تركز على الصناعات الموجهة للتصدير حصرياً مما سيعزز من زيادة الصادرات غير النفطية، وسيخدم ذلك نسبياً دعم التوسع بدور المحتوى المحلي في التصدير للخارج وستولد فرص عمل واستثمار كبيرة، كما يمكن إضافة مناطق التجارة الحرة التي تسمى اختصاراً (FTZ)، حيث تركز على التجارة وإعادة التصدير مما سيرفع من حجم حركة التجارة عبر الموانئ الضخمة التي تمتلكها السعودية على شواطئها في الخليج العربي والبحر الأحمر، وسيوسع من حجم قطاعات الخدمات والمالية واللوجستك بشكل كبير.

الفرصة كبيرة لنجاح التوجه نحو المناطق الاقتصادية الحرة بكل أنواعها وثبت نجاحها بدول عديدة أهمها الصين، كما أنه سيعزز الاستفادة من جغرافية المملكة حيث يمكن إقامتها بمواقع عديدة ستوسع من حجم التنمية في مناطق مهمة ساحلية أو في وسط المملكة وشمالها وجنوبها، إضافة لما يمكن أن تزود به تلك المناطق من احتياجات السوق المحلي من المنتجات الاستهلاكية بدلاً من استيرادها بمبالغ كبيرة حالياً مع جودة وضمان وموثوقية أعلى وتكاليف أقل مما يسهم بدعم استقرار التضخم على المدى البعيد عند مستويات مناسبة لدعم استدامة النمو الاقتصادي.