ليلى أمين السيف
لعلّ من المهم الإشارة إلى أن للإنسان حقّاً أصيلاً في أن يُخفي ما يخصّه، بلا تبرير ولا اعتذار. فليس كل ما نعيشه شأنًا عامًا، ولا كل صمتٍ رسالة مبطنة.
الخصوصية ليست جفاءً، بل مساحة أمان، ومن الخطأ أن يتحوّل حق الإنسان في الصمت إلى تهمة، أو إلى بابٍ للعتاب والمحاكمة.
بوجه عام، ليس من حق الآخرين المطالبة بالتفاصيل، ولا وضع أنفسهم موضع الوصاية بدعوى القرب أو المحبة؛ فالقرب الحقيقي لا يُقاس بعدد الأسئلة، ولا يثبت بكثرة التدخل، بل بالاحترام، وبفهم أن لكل إنسان توقيته وحدوده وظروفه والأهم من ذلك أن الإلحاح لا يصنع صدقًا، بل قد يفرض الكذب. حين نُحرج الناس بالأسئلة، نضعهم بين خيارين كلاهما مُرهق إما كشف ما لا يريدون كشفه، أو قول ما لا يقصدون. وهنا لا نكون قد اقتربنا منهم، بل أثقلناهم.
وعليه، يمكن القول إن مراعاة خصوصيات الآخرين خُلُق، وترك المساحة نُبل، واحترام الصمت حين يكون الصمت حقًا دليل وعي لا برود. ومن فهم هذا، أدرك أن العلاقات السليمة لا تُبنى على الفضول، بل على الثقة ولا تُحفظ بالأسئلة الكثيرة، بل بالطمأنينة.
ومن هنا نفهم أن ندع الآخرين يُبادرون إن أرادوا، ويختارون هم لحظة الكلام وحدوده. لا تُلاحقهم بالأسئلة، ولا تُحمّلهم عتابًا من نوع: لماذا لم أكن أول العارفين؟ فالقرب مهما كان اسمه: أخوّة، صداقة، قرابة لا يمنح حق المصادرة، ولا يُعطي امتياز الدخول إلى كل التفاصيل.
من حق الإنسان أن يتحدث حين يطمئن، وأن يصمت حين يحتاج الصمت. ومن الحكمة أن نترك له هذه المساحة دون ضغط، ودون شعور بالذنب، ودون اختبارٍ للود. وعند التأمل الهادئ نجد أن في حياتنا محطات نختار أن نمرّ بها بهدوء، لا لأننا نخفي الفرح، بل لأن بعض الأفراح هشّة في بدايتها، تخاف الضجيج وتحب الاكتمال.
وفي هذا السياق، علّمنا يعقوب عليه السلام درسًا خالدًا في فقه الخصوصية، حين جاءت الوصية الإلهية واضحة: {لاَ تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ}.
وهنا تتجلّى الحكمة الإلهية ، فالحلم لم يكن شرًّا، ولا الإخوة أعداء، لكن بعض الأمور إن قيلت قبل أوانها أثقلت القلوب وأرهقت النفوس، وفتحت أبوابًا من القلق والضغط لا حاجة لها. ومن البديهي القول إن الصمت هنا ليس خوفًا، بل احترامٌ للحظة، وترتيبٌ للأحداث، وثقةٌ بأن ما كُتب سيأتي في وقته.
ومما لا خلاف عليه أن ليس كل من آثر الصمت لئيمًا أو خبيثًا، وليس كل من أخفى أمرًا يخصه كان يتلاعب أو يراوغ. أحيانًا تكون هناك أحداث مرّ بها الإنسان جعلته رغما عنه أكثر تحفظًا، أكثر حذرًا، أو أقل قدرة على الشرح. قد يكون قد خُذل، أو أُحبط، أو جُرِح، أو تعلّم بالطريقة الصعبة أن ليس كل ما يُقال يُفهَم، ولا كل من يسمع يُحسن الاستقبال و أن هناك أواناً لكل شيء. وقد تكون هناك عشرات المبررات المشروعة التي لا يراها الآخرون، ولا يعيشون ثقلها، ولا يحق لهم المطالبة بتفاصيلها. فليس من العدل، ولا من الحكمة، أن يُطالَب الإنسان بتفسير صمته لكل أحد، أو تبرير اختياراته الشخصية حتى لمن يظن نفسه قريبًا.
الخصوصية حقّ، لا يُنتزع باللوم، ولا يُصادر باسم المحبة أو القرابة. من حقك أن تصمت، أن تؤجّل، وأن لا تشرح لكل الناس» لماذا خبّأت ومتى ستقول». فالقرب لا يعني الامتلاك، والمحبة لا تعني التحقيق.
ومن المُضحك المُبكي أن أكثر من يلومك لأنك لم تُخبره، لا يملك نفعًا يُرجى، ولا حضورًا يُعوَّل عليه، فقط حقل استجواب وهم أساسا لا يعينون ولا يعاونون.
كم من فرحٍ أُعلن مبكرًا فانكسر، وكم من مشروعٍ ضجّوا به قبل اكتماله فتعثّر، وبعض الأفراح لا تزهر إلا في الظل. فليس كتمان الفرح حرمانًا للآخرين، بل حفاظٌ عليه، وليس الصمت تقليلًا من الشأن، بل حكمة في إدارة الحياة.
وخلاصة المعنى، أن من صان لحظاته في بدايتها، احتفل بها كاملة في نهايتها، فرحًا مكتملًا، دون ضجيج أو قلق ودون أن يضطر لتبرير صمته، فالحكمة حين تُفهم لا تحتاج إلى شرح.
وانطلاقًا من هذا المعنى، علينا احترام صمت الناس كما نحب أن يُحترم كلامنا، ولنصن خصوصياتهم كما نحب أن تُصان خصوصياتنا فمن فهم الحكمة، أعذر ومن أعذر، كان أعقل.
** **
- كاتبة يمنية مقيمة بالسويد















التعليقات