علي الخزيم

تختزن الذاكرة سَجَايا رجل طيب مُهذب؛ محبوب من زملاء العمل في إدارة تهتم بالعلاقات والإعلام، بعد تقاعده بمدة ليست بالطويلة قيل: إنه رحل إلى جوار ربه -غفر الله له- كان من عادته حينما يصنع لنفسه قَدحًا من الشاهي ويضع السكر يُحرّكه ثم يَقرع بذات الملعقة الصغيرة أعلى حافَّة القَدح عدة قرعات يسمعها من بالقِسم كافة، وكانت لها عدة دلالات دون أن يقصدها هو بنفسه؛ منها أنه على مكتبه يعمل بدأب دون ملل؛ وأنه لا يترك المكتب دون عُذر وجيه ومُلِحّ، ثم إن لتلك القرعات نغمات لا يصطنعها غير أنه اعتاد عليها كما استوعبتها أسماع الزملاء؛ وكثيرًا ما كانت مصدر ابتساماتهم وتندرهم اللطيف المعجب بالزميل الراحل -طيب الله ثراه-.

- في كل مرحلة وفي كل مجموعة وظيفية أوصديقة تجد من تَبقَى له بالذاكرة أجمل الحكايات والصور الإيجابية والمواقف النبيلة والنفس الزكية التي كانت مصدر تعليم وتثقيف للمصاحبين بالعمل وبحياتهم العامة؛ فهؤلاء الأخيار يُقدمون الحكمة والدروس البليغة التلقائية دون تكلف وتصنع هي سجيتهم وطبيعتهم؛ وما تمليه تركيبتهم النفسية ومخزونهم العقلي الراقي، يفرضون على مصاحبيهم احترامهم بتواضعهم ولطف حديثهم ودعاباتهم الخفيفة التي تُعطّر أجواء العمل وتبعث بين زملائهم الارتياح وتُعلّم الآخرين بأن العمل والتعامل يكون بالبساطة واحترام الذات والمشاركين لتمضي سويعات العمل كما يجب أن تكون: جِدّ واجتهاد وإنجاز وأنفس طيبة متعاونة.

أكد الزملاء - وكنت قد عملت معهم بتلك الإدارة مدة ليست بالطويلة جدًا - أن ذاك الزميل طيلة عملهم لم يسمعوا أو يلمسوا أنه قد دخل في جدال أو نقاش حاد مع أحدهم -رئيس أو مرؤوس- لم يعهدوا منه رفع الصوت أو المُماحكة بموضوع عمل أو اتخاذ قرار مَا، السَّمت والصَّمت والابتسامة ديدنه، وطبيعته العمل بهدوء؛ والإنجاز بإتقان والانضباط بالوقت حتى بموعد إعداد قدح الشاهي وعدد مَرَّات طرق الملعقة بعد تحريك السّكر، وفوق كل هذا هو متعاون يقدم للزملاء ما يستطيعه من أفضال ومعروف خارج إطار العمل، كان -تغمده الله سبحانه برحمته- أنموذجًا لخيرة الرجال؛ وبنظري: هو مثال للقدوة!

وبالموازنة مع هذا الموظف النبيل المخلص تجد من هو دون ذلك وإن لم يكن سيئًا غير أن اكتمال الشخصية وتمام العقل يصعب أن يتوافر للكثير من البشر؛ ويُكْتَفَى من الفئة الثانية أنهم لا يتعمدون الإيذاء والإزعاج للمحيطين بهم في بيئة العمل، فتلك الصفات المنبوذة تلتصق بالصنف الثالث وهُم المتحذلقون الأفّاقون المتذاكون الانتهازيون؛ وفوق هذا لا يألون جهدًا للإيقاع بالزملاء دون مبرر منطقي؛ فهي مجرد إملاءات أنفسهم المريضة الحاقدة التي تحارب النجاح؛ وتستثمر المواقف لتشويه الآخرين لتعويض عُقَد نقص تلازمهم بجوانب حياتهم، وباتت عندهم حالات مستعصية لا يَنفَكّون عنها.

التمام والكمال صعب المنال؛ ولكل إنسان جانب قد لا يكون نقيًا بالكلية؛ ولهذا فمن المستحسن وربما الواجب ألا نفتش - بقدر الإمكان - عن الوجه الآخر لمن يزاملنا ويصاحبنا، ومن الوقائع المُعاشة فإن الاشتغال بخفايا الناس يجلب مساوئ الظَّن وقد يصاحبه شيء من الظلم للآخرين.